من يهزم نتنياهو؟ غانتس وآيزنكوت في مواجهة إرث “عصر الأمن”

بقلم نعمت كرّوم
لم تعد انتخابات 2026 في إسرائيل مجرد منافسة على رئاسة الحكومة، بل اختبارًا للمرحلة السياسية التي ارتبطت باسم بنيامين نتنياهو. وجاء السابع من أكتوبر ليهز صورة الرجل الذي قدّم نفسه لسنوات باعتباره “حارس أمن إسرائيل”, ويفتح معركة مستقبل المنظومة التي حكمت إسرائيل خلال العقدين الأخيرين.
نتنياهو… الرجل الذي أصبح أكبر من حزبه
لم يكن بنيامين نتنياهو مجرد زعيم لحزب الليكود، بل أصبح عنوانًا لمرحلة سياسية كاملة. ارتبط اسمه بمركزية الأمن، ومواجهة إيران، وإدارة الصراع الفلسطيني، والحفاظ على موقع إسرائيل الإقليمي. واستند صعوده إلى تنامي المزاج الأمني، وصعود اليمين القومي والديني، وطبيعة النظام الائتلافي الذي منح التحالفات وزنًا حاسمًا في تشكيل الحكومات.
ومع مرور الوقت، تحول الليكود من حزب يقوده نتنياهو إلى حزب ارتبط باسمه إلى حد كبير. وتحولت الانتخابات الإسرائيلية في السنوات الأخيرة من منافسة بين أحزاب وبرامج إلى صراع حول شخص واحد: بقاء نتنياهو أو رحيله.
لكن ما كشفه السابع من أكتوبر تجاوز شخص نتنياهو؛ فالرجل الذي قدّم نفسه لسنوات باعتباره “حارس أمن إسرائيل” واجه أحد أكبر الإخفاقات الأمنية في تاريخ الدولة، من دون أن تتغير البيئة السياسية التي صنعت صعوده: قوة اليمين، ونفوذ الأحزاب الدينية، وطبيعة النظام الائتلافي.
المعارضة الإسرائيلية… نهاية نتنياهو لا تعني نهاية المرحلة
تخوض المعارضة انتخابات 2026 مستفيدة من تداعيات السابع من أكتوبر والانتقادات التي طالت إدارة الحرب وأداء الحكومة وعلاقتها بالمؤسسات الأمنية والقضائية.
لكنها لا تواجه نتنياهو وحده، بل تواجه المسار السياسي الذي ترسخ خلال سنوات حكمه. فمعظم قوى المعارضة لا تبتعد عن الإجماع الأمني الإسرائيلي القائم على التفوق العسكري، ومواجهة إيران وحلفائها، والحفاظ على الردع.
ويبرز بني غانتس وغادي آيزنكوت كأبرز وجوه هذه المعادلة. فخلفيتهما في المؤسسة العسكرية تمنحهما قدرة على مخاطبة الناخب الإسرائيلي من المجال الذي كان مصدر قوة نتنياهو الأساسي: الأمن. أما يائير لابيد، فيمثل تيار الوسط الذي يركز على مؤسسات الدولة والعلاقة مع الحلفاء الغربيين.
وهنا تكمن المفارقة: فالمنافس الأقوى لنتنياهو يأتي من المجال نفسه الذي صنع قوته؛ المؤسسة الأمنية التي منحته شرعيته السياسية لسنوات.
غير أن تجربة حكومة نفتالي بينيت–لابيد عام 2021 أظهرت حدود التغيير؛ فقد أنهت حكم نتنياهو مؤقتًا، لكنها لم تغيّر التوازنات التي تحكم السياسة الإسرائيلية.
اليمين الديني… القوة التي أصبحت داخل الحكم
لم يعد اليمين الديني والقومي هامشًا في السياسة الإسرائيلية، بل أصبح جزءًا من بنية الحكم. فقد منح وجود إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش داخل الائتلاف نفوذًا مباشرًا في ملفات الأمن والاستيطان والسياسة تجاه الفلسطينيين.
وحافظت الأحزاب الحريدية، وفي مقدمتها شاس ويهدوت هتوراه، على دورها الحاسم في تشكيل الحكومات. ففي إسرائيل، لا يقاس النفوذ بحجم الحزب، بل بقدرته على ترجيح كفة الائتلاف.
الأحزاب العربية… مقاعد بلا نفوذ
تمتلك الأحزاب العربية حضورًا انتخابيًا داخل الكنيست، لكنها بقيت خارج مركز صناعة القرار في الملفات السيادية.
وأظهرت تجربة منصور عباس والقائمة العربية الموحدة عام 2021 أن المشاركة في الائتلاف الحكومي لا تعني امتلاك القدرة على التأثير في ملفات الأمن والسياسة الخارجية والصراع الفلسطيني–الإسرائيلي.
وهنا تظهر إحدى مفارقات النظام السياسي الإسرائيلي: حضور انتخابي لا يتحول بالضرورة إلى شراكة في تحديد الخيارات الاستراتيجية للدولة.
لذلك بقيت المفارقة قائمة: أصوات عربية تُحسب في الانتخابات، لكنها لا تصل إلى مركز صناعة القرار.
بعد 7 أكتوبر… إسرائيل تحت حكم الأمن
أعاد السابع من أكتوبر ترتيب أولويات السياسة الإسرائيلية، وأعاد الأمن إلى موقعه الحاسم. فالحرب في غزة، والمواجهة مع حزب الله، والتوتر مع إيران، أصبحت عوامل تحدد مستقبل القيادة الإسرائيلية.
لم يعد الأمن مجرد ملف انتخابي، بل الإطار الذي تتحرك داخله الأحزاب والحكومات. وحتى المعارضة لا تخرج عن الإجماع الأمني القائم على التفوق العسكري، ومواجهة التهديدات الإقليمية، والحفاظ على الردع.
وفي هذه البيئة، بقيت المؤسسة الأمنية والجيش في قلب النقاش السياسي، بينما أصبحت إدارة الحرب وحدود القوة العسكرية جزءًا من الصراع على مستقبل إسرائيل.
كما ارتبطت مرحلة نتنياهو بتعزيز منطق الردع والمواجهة؛ إذ تحتل إيران موقع الخصم الاستراتيجي، ويُنظر إلى حزب الله باعتباره أحد أخطر التهديدات العسكرية على الجبهة الشمالية.
إسرائيل إلى أين؟
تكشف انتخابات 2026 أكثر من مستقبل بنيامين نتنياهو؛ فهي اختبار لمستقبل الدولة التي أنتجت ظاهرة نتنياهو.
فنتنياهو لم يصنع هذه المرحلة وحده، لكنه أصبح عنوانها الأبرز. لقد صعد داخل بيئة سياسية قامت على مركزية الأمن، وصعود اليمين، وتنامي نفوذ التيارات الدينية، وانقسام المجتمع الإسرائيلي حول شكل الدولة ومسارها السياسي.
قد يرحل نتنياهو أو يعود إلى الحكم، لكن الملفات التي صنعت المرحلة ستبقى حاضرة: الأمن، والردع، والعلاقة مع الفلسطينيين، وموقع إسرائيل الإقليمي.
فالأسماء قد تتغير، لكن الصراع الحقيقي يدور حول الدولة التي تشكلت خلال سنوات نتنياهو، وحول قدرتها على تجاوز الإرث الذي تركته تلك السنوات.
وتكشف انتخابات 2026 أن المعركة لا تدور فقط حول بقاء نتنياهو أو رحيله، بل حول قدرة إسرائيل على الانتقال إلى مرحلة جديدة، أم أنها ستبقى أسيرة التوازنات التي صنعت عصر نتنياهو.




