ثقافة

قراءة في كتاب” الشيعة في باكستان “مسار التشكّل والبحث عن مشروع جامع

الشيعة في باكستان
مسار التشكّل والبحث عن مشروع جامع

1) مكونات الكتاب
اعتمد مؤلف كتاب «الشيعة في باكستان» منهجًا أكاديميًا حديثًا في بناء الكتاب وتنظيم مادته العلمية، فجاء مرتبًا وفق تسلسل موضوعي واضح يراعي الترابط بين الفصول والقضايا المطروحة. ويتكوّن الكتاب من مقدمتين وثلاثة فصول وخاتمة عامة، إضافة إلى ثبتٍ بالمراجع والمصادر المعتمدة، مع تخصيص خاتمة مستقلة لكل فصل تتضمن أبرز النتائج والملاحظات.
تصدّر الكتاب مقدمة للأستاذ توفيق شومان، الباحث والصحفي اللبناني المعروف، فيما جاءت المقدمة الثانية بعنوان «توطئة» بقلم المؤلف نفسه، تناول فيها دوافع التأليف وأهمية الموضوع والإشكاليات الرئيسة التي يسعى الكتاب إلى معالجتها.
أما متن الكتاب، فقد توزّع على ثلاثة فصول رئيسية؛ تناول الفصل الأول التعريف بباكستان من حيث الجغرافيا والسكان وبنية الدولة، فيما عالج الفصل الثاني تاريخ التشيع في باكستان وتطوره وتحولاته المختلفة، بينما خُصّص الفصل الثالث لدراسة الوعي الشيعي الباكستاني المعاصر، من خلال رصد أبرز أزماته وتحدياته وإمكانات تطوره.
وتُختتم الدراسة بخاتمة عامة تتضمن أهم النتائج والاستنتاجات التي توصّل إليها المؤلف، إلى جانب رؤية مستقبلية للواقع الشيعي في باكستان وما يواجهه من تحديات وفرص في المرحلة المقبلة.

2) في رحاب المقدمتين..
أولًا: مقدمة الأستاذ توفيق شومان
يرى الأستاذ توفيق شومان أن عنوان الكتاب قد يوحي بأنه دراسة خاصة بالشيعة في باكستان، إلا أن مضمونه يتجاوز الإطار المذهبي ليعالج قضايا أوسع تتصل بتاريخ باكستان وهويتها وتكوينها الاجتماعي والسياسي.
ويؤكد أن أهمية الكتاب تكمن في مساهمته في سدّ نقصٍ ملحوظ في المكتبة العربية بشأن الشأن الباكستاني، من خلال تقديم دراسة تجمع بين البعدين المعرفي والتحليلي. كما يلفت إلى أن المؤلف
لا يكتفي بتتبع التاريخ الشيعي في البلاد، بل يقدم قراءة اجتماعية وسياسية وثقافية تساعد على فهم تطور الجماعة الشيعية وعلاقتها بالدولة والمجتمع، مع التوقف عند التحولات الكبرى التي شهدتها باكستان، ولا سيما مرحلة الجنرال ضياء الحق.
ويشير شومان إلى أن من أبرز مزايا الكتاب تعامله مع الشيعة بوصفهم جزءًا أصيلًا من النسيج الوطني الباكستاني، مندمجين في مؤسسات الدولة وحياتها العامة مع احتفاظهم بخصوصيتهم الدينية والثقافية. ويخلص إلى أن الكتاب يشكل مساهمة معرفية جادة لفهم باكستان المعاصرة وتحولاتها من خلال دراسة أحد مكوناتها الأساسية.

ثانيًا: توطئة المؤلف
يبيّن المؤلف في توطئته الدوافع التي قادته إلى إنجاز هذا العمل، وفي مقدمتها وجود فراغٍ واضحٍ في المكتبة العربية فيما يتصل بالدراسات المتخصصة حول الشيعة في باكستان، على الرغم من كونهم أحد أكبر التجمعات الشيعية في العالم الإسلامي. ويرى أن صورة الشيعة في باكستان بقيت غائبة أو مشوّهة في الوعي العربي، كما أن المكتبتين الأردية والإنجليزية لم تقدّما، في كثير من الأحيان، معالجةً متوازنةً وشاملةً لهذا الموضوع.
وينطلق المؤلف من الحاجة إلى تقديم دراسة علمية توثيقية تجمع بين المعطيات التاريخية والتحليل الاجتماعي والسياسي، بعيدًا عن الأحكام المسبقة أو المقاربات الطائفية، بهدف التعريف بالواقع الشيعي الباكستاني وتطوراته وتحدياته.
كما يوضح أهمية الموضوع من خلال المكانة الجيوسياسية التي تحتلها باكستان بوصفها دولةً نوويةً ذات موقع استراتيجي بالغ الأهمية، تتقاطع فيها المصالح الإقليمية والدولية، مما يجعل دراسة أحد مكوناتها الأساسية مدخلًا لفهم الكثير من التحولات السياسية والاجتماعية في المنطقة.
ويتناول المؤلف إشكالية العلاقة بين التشيع والدولة الحديثة في باكستان، والتحديات التي واجهت الشيعة في الحفاظ على هويتهم الدينية مع الاندماج في الدولة والمجتمع. ويخصّ مرحلة الجنرال ضياء الحق باهتمام خاص، معتبرًا أنها شكّلت نقطة تحول عميقة في الوعي الشيعي الباكستاني، وأنتجت ما يسميه «عقدة ضياء الحق»، بما تحمله من آثار نفسية وسياسية واجتماعية ما زالت تلقي بظلالها على الواقع الشيعي المعاصر.
وفي ختام التوطئة يشرح المؤلف منهج الكتاب القائم على الجمع بين المقاربة التاريخية والتحليل الاجتماعي والسياسي، مستفيدًا من المصادر العربية والأردية والإنجليزية، ومن خبرة ميدانية امتدت لأكثر من ثلاثة عشر عامًا في متابعة الشأن الباكستاني. كما يعرض بنية الكتاب وفصوله الثلاثة، موضحًا أن هدفه الأساس هو تقديم صورة متكاملة عن الشيعة في باكستان، وفهم مسارهم التاريخي، وواقعهم الراهن، وآفاق تطورهم في المستقبل.

3) في رحاب الفصل الأول: باكستان الأرض والشعب والدولة

يُخصِّص المؤلف الفصل الأول لرسم الإطار العام الذي ستجري ضمنه دراسة الواقع الشيعي في باكستان، انطلاقًا من أن فهم أي مكوّن اجتماعي أو ديني لا يمكن أن يتم بمعزل عن البيئة الجغرافية والبشرية والسياسية التي يتشكّل داخلها. ولذلك جاء الفصل مدخلًا تأسيسيًا يعرّف القارئ بباكستان من حيث الموقع والجغرافيا والتركيبة السكانية والبنية السياسية للدولة.
ويستعرض المؤلف الموقع الجغرافي لباكستان وأهميته الاستراتيجية بوصفها حلقة وصل بين الشرق الأوسط وآسيا الوسطى وشبه القارة الهندية، كما يتناول التنوع الجغرافي للبلاد وأثره في
تشكيل الأنماط السكانية والاجتماعية. ثم ينتقل إلى دراسة الشعب الباكستاني من خلال تركيبته القومية واللغوية والدينية، مبرزًا أن هذا التنوع يمثل في الوقت نفسه عنصر قوة وتحديًا للدولة والمجتمع.
كما يتناول الفصل نشأة الدولة الباكستانية وتطور نظامها السياسي والدستوري منذ الاستقلال عام 1947، مرورًا بمراحل الحكم المدني والعسكري، مع التوقف عند الجدل المتعلق بهوية الدولة وعلاقتها بالإسلام، والدور المؤثر الذي لعبته المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية.
ويخلص المؤلف إلى أن باكستان تمثل نموذجًا سياسيًا واجتماعيًا معقدًا تشكّل من تفاعل الجغرافيا والتنوع السكاني والهوية الإسلامية وبنية الدولة الحديثة، وأن فهم هذا الإطار يُعدّ شرطًا أساسيًا لفهم تطور التشيع والواقع الشيعي في البلاد.

4) في رحاب الفصل الثاني : الشيعة في باكستان.. من التكوين إلى البحث عن مشروع.
ينتقل المؤلف في الفصل الثاني من دراسة الإطار العام للدولة الباكستانية إلى تتبع تاريخ الشيعة وتطور حضورهم في شبه القارة الهندية وباكستان، انطلاقًا من أن فهم الواقع الشيعي المعاصر لا ينفصل عن جذوره التاريخية والثقافية الممتدة لقرون. ولذلك يستعرض الخلفية التاريخية للوجود الشيعي في الهند، ودور الهجرات العلوية والمراكز العلمية والممالك الشيعية في ترسيخ الحضور الإمامي، إلى جانب الخصوصية الثقافية التي تميز بها التشيع في هذه المنطقة.
ويعتمد المؤلف منهج التحقيب التاريخي، فيتتبع مسار التشيع من مرحلة التكوين في الهند إلى مرحلة إعادة التشكل بعد قيام باكستان، مرورًا بعهود أيوب خان ويحيى خان وذو الفقار علي بوتو، وصولًا إلى حقبة الجنرال ضياء الحق التي يعدّها محطة مفصلية في تاريخ الشيعة والدولة الباكستانية.
كما يربط المؤلف التحولات الداخلية بالمتغيرات الإقليمية والدولية، متناولًا تأثير إيران والنجف وقم، وانعكاسات الثورة الإسلامية والحرب الباردة والجهاد الأفغاني وسياسات الأسلمة في عهد ضياء الحق. ويولي اهتمامًا خاصًا لنشوء حركة نفاذ الفقه الجعفري ودور القيادات الشيعية البارزة في بناء الهوية والتنظيمات الشيعية الحديثة.
ويخلص الفصل إلى أن الشيعة في باكستان انتقلوا تدريجيًا من الحضور الثقافي والشعائري إلى الحضور المؤسسي والتنظيمي، إلا أن هذا المسار ظل يفتقر إلى مشروع استراتيجي جامع، وهو ما يمهد للبحث في الفصل الثالث عن أزمة الوعي الشيعي المعاصر وإمكانات تجديده.

5) في رحاب الفصل الثالث : الوعي الشيعي الباكستاني المعاصر.. الأزمات والإمكانات.
يُعدّ الفصل الثالث أكثر فصول الكتاب حيويةً وتحليلًا، إذ ينتقل فيه المؤلف من السرد التاريخي إلى دراسة الواقع الشيعي المعاصر في باكستان، باحثًا في طبيعة الوعي الذي يحكم حركته وأبرز أزماته وإمكانات تجديده. وينطلق من فرضية مفادها أن التحدي الأساسي لا يكمن في الوجود أو العدد أو المؤسسات، بل في أزمة الوعي والرؤية والمشروع.
ويتناول الفصل العوامل التقليدية التي أسهمت في تشكيل الوعي الشيعي، كالمسجد والمنبر والحوزات الدينية، إلى جانب الأدوات الحديثة مثل التعليم الجامعي والإعلام الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي والجاليات الشيعية في الخارج، مبينًا أثرها في توسيع المعرفة وفي الوقت نفسه تعدد المرجعيات الفكرية.
كما يحلل المؤلف جذور الأزمة، ويرى أنها تتمثل في غياب الرؤية الجامعة والمشروع الفكري القادر على تحويل الهوية إلى رسالة والإيمان إلى وعي فاعل، مشيرًا إلى مظاهر مثل غلبة البعد العاطفي وضعف التنسيق بين المؤسسات وغياب الأولويات الكبرى.
وفي القسم الأخير يطرح رؤية لتجديد الوعي الشيعي تقوم على إصلاح المؤسسات المنتجة للوعي، وتطوير التعليم الديني والمنبر، وتعزيز العلاقة بين الحوزة والجامعة، والاستفادة من طاقات الشباب، بما يتيح الانتقال من منطق الدفاع عن الهوية إلى الإسهام الفاعل في بناء المجتمع والدولة.
ويمثل هذا الفصل الخلاصة الفكرية للكتاب، إذ يجمع بين قراءة الواقع وتشخيص أزماته واستشراف آفاق المستقبل، ضمن رؤية تدعو إلى بناء وعي شيعي رسالي ووطني يتجاوز حدود المحافظة على الهوية إلى المشاركة في النهضة الحضارية.

6) خاتمة الكتاب : من الهوية إلى الرسالة… ومن الوجود إلى المشروع
يؤكد المؤلف في خاتمة الكتاب أن التحدي الأساسي الذي يواجه الشيعة في باكستان لا يكمن في العدد أو الحضور الاجتماعي، بل في أزمة الوعي والمشروع والرؤية الجامعة. فالتجربة الشيعية، رغم عمقها التاريخي واتساعها الشعبي، ما تزال تعاني من فجوة بين الحفاظ على الهوية والقدرة على إنتاج مشروع حضاري متكامل.
ويرى أن أبرز التحديات تتمثل في ضعف التخطيط الاستراتيجي وغياب المشروع الجامع وتشتت الجهود، مقابل امتلاك المجتمع الشيعي طاقات بشرية وعلمية وثقافية كبيرة تؤهله للنهوض إذا ما وُظفت ضمن رؤية واضحة.
وتتمحور الرسالة الأساسية للكتاب حول ضرورة الانتقال من منطق الحفاظ على الهوية إلى بناء الرسالة، ومن ردّ الفعل إلى المبادرة، ومن الانشغال بالوجود الطائفي إلى الإسهام الفاعل في بناء المجتمع والدولة. ومن هنا يدعو المؤلف إلى مشروع فكري ورسالي جامع يربط الدين بالعقل، والفقه بالواقع، والهوية بالمواطنة.
وفي النهاية، يقدّم الكتاب بوصفه دعوة إلى التفكير والحوار والعمل من أجل مستقبل أفضل، ويختزل رؤيته في العبارة الآتية: «من الهوية إلى الرسالة، ومن الوجود إلى المشروع».

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى