طرابلس ليست بخير

طرابلس ليست بخير
بقلم مصباح العلي
وليس في هذا القول مبالغة ولا ترف بلاغي، بل حقيقة ثقيلة تستقر في صدور أبنائها كما يستقر الحنين إلى زمنٍ لم يعد. هي المدينة التي كانت مخزن ذاكرتنا، ومرتع طفولتنا، وفضاء أحلامنا الأولى، قبل أن يدركنا العمر، ويغزو الشيب رؤوسنا، فنهمس بحسرةٍ تشبه وجع الاعتراف: لقد تغيّر كل شيء.
في طرابلس، لا يُقاس التعب بالأرقام، ولا تُختصر الأزمات بإحصاءات.
هنا، لكل زاوية حكاية انكسار، ولكل حيّ ذاكرة تتآكل ببطء. المدينة التي كانت تُعرف بـ”أم الفقير”، صارت اليوم أكثر فقرًا من توصيفها، وأكثر وجعًا من قدرتها على الاحتمال.
أهلها لا يزالون يتقنون فنّ الستر، لكن هذا الستر لم يعد يخفي الألم، بل يضاعفه، لأنه يُمارس بصمتٍ ثقيل، بلا أفق واضح للخلاص.
سياسيًا، تبدو طرابلس كأنها خارج الحسابات.
مدينة بلا مظلة حقيقية، بلا قرار جامع، بلا صوت موحّد يعكس معاناتها. الخطاب السائد لم يعد يُقنع أحدًا: تبريرات جاهزة، ومقولات مستهلكة من نوع “ليست مسؤوليتنا”. لكن إن لم تكن مسؤوليتكم، فمسؤولية من؟ نواب المدينة، الذين انتخبهم الناس على أمل أن يكونوا صلة وصلٍ بين الألم والحل، أين هم اليوم؟ هل اجتمعوا على خطة؟ هل تحرّكوا خارج حسابات الاصطفاف؟ أم أن طرابلس تُدار بردود الفعل، لا بالفعل؟
غير أن جوهر الأزمة أعمق من السياسة وحدها.
إنها أزمة غياب النخبة، وذبول الحياة المدنية. الأطر التي كانت تجمع الناس حول فكرة أو مشروع، تراجعت أو تلاشت. “التجمع الوطني للعمل الاجتماعي” لم يعد سوى اسم يُستحضر في ذاكرة من عاشوا زمنه، بينما الحاضر يفتقد لأي مساحة جامعة تعيد ترميم الثقة بين المجتمع ونفسه.
في قلب هذا المشهد، تقف الثقافة وكأنها تقاوم الانقراض.
“الرابطة الثقافية”، التي كانت منارةً للفكر والإبداع، تكافح اليوم للبقاء، تُصارع ضيق الإمكانات وقلة الدعم، في مدينةٍ كانت يومًا تنتج المعرفة وتصدّرها. حين تختنق الثقافة، لا يخسر المثقفون وحدهم، بل تخسر المدينة روحها، ويخسر أبناؤها قدرتهم على الحلم.
أما الأسواق… فهي مرآة التحوّل القاسي.
أسواق كانت تعجّ بالحياة، وتستقبل تجارًا من مختلف الدول العربية، تحوّلت إلى مساحات شبه مهجورة. المحال التي كانت تضجّ بالحركة، أغلقت أبوابها أو تنتظر زبونًا عابرًا. الحرف التي كانت تُورّث من جيل إلى جيل، تندثر بصمت، ومعها يختفي جزء من هوية طرابلس. ليس هذا مجرد تراجع اقتصادي، بل خسارة لذاكرة حيّة كانت تعطي المدينة معناها.
وفي الخلفية، يقف جيل كامل على حافة الضياع.
التسرّب المدرسي لم يعد ظاهرة عابرة، بل مسارًا مفتوحًا نحو مستقبل مجهول. البطالة ليست رقمًا في تقرير، بل واقع يومي يعيشه آلاف الشباب الذين يبحثون عن فرصة فلا يجدونها. بين مدرسة تُترك، ووظيفة لا تأتي، يتشكّل فراغ خطير، يبتلع الطموح ويُعيد إنتاج الإحباط.
طرابلس اليوم ليست فقط مدينة تعاني ، بل مدينة تُختبر.
تُختبر قدرتها على الصمود، وعلى الحفاظ على ما تبقّى من روحها، في ظل هذا الإهمال المركّب. ومع ذلك، لا تزال هناك جذوة خفية، شيء يشبه العناد الجميل الذي يرفض الاستسلام الكامل. في عيون أبنائها، في تفاصيل حياتهم اليومية، في تمسّكهم بما بقي من كرامة، ما يوحي بأن هذه المدينة لم تقل كلمتها الأخيرة بعد.
لكن الحقيقة تبقى قاسية:
لا يكفي الصبر وحده، ولا يكفي الحنين. طرابلس تحتاج إلى ما هو أكثر من التعاطف، تحتاج إلى فعل. إلى إرادة سياسية صادقة، إلى عودة النخبة، إلى إحياء المجتمع المدني، إلى إعادة الاعتبار للثقافة والعمل والإنتاج.
لأن طرابلس، إن سقطت أكثر، لن تسقط وحدها ،
بل سيخسر لبنان جزءًا من تاريخه، ومن معناه، ومن روحه.



