الفجر الجديد

الدفاع عن النفس في القانون الدولي

الدفاع عن النفس في القانون الدولي

اعداد: القاضي هانيا الحسن

في يوم السبت 28 شباط 2026، العالق بين أن يكون اليوم العاشر أو اليوم الحادي عشر من شهر رمضان 1447 هجرية، بدأت موجة عمليات حربية واسعة النطاق في منطقة الشرق الأوسط، وتعالت الأصوات المنادية لضبط النفس، وللسلم، وللحوار بعيداً عن الحروب، والنزاعات المسلّحة، إنّما، على مدى سنوات تاريخ الإنسانية، عرفت الشعوب حروباً عدة، وإنه على إمتداد التاريخ الموثّق، كانت سنوات السلام قليلة بمقارنتها مع سنوات الحروب، فكل الحضارات القديمة عرفت حروباً طاحنة، بني معظمها على أسس إقتصادية، أو عرقية، أو دينية، أو كلّ هذه الأسس مجتمعةً، وشهدت الحروب تلك إعلانات حرب، ومفاوضات، ومعاهدات صلح،

وإنّ حضارات الشرق الأدنى، والشرق الأوسط، منذ حضارة ما بين النهرين، وضعت نظاماً راسخاً تضمّن إعلانات حرب، وقرارات شنّ عدوان، ومن ثمّ التفاوض على إنهاء الحرب ضمن شروط يضعها القوي على الضعيف، توصلاً إلى معاهدات صلح، وبرزت فكرة ” الأبرار ” ضدّ ” الأشرار”، في مفهوم الحرب، فمن يشنّ الحرب يدّعي أنه يريد تخليص العالم من شرور الطرف المحارب، إنما في كل الحضارات القديمة، والحديثة، برزت مبادىء، أضحت قواعد عرفية ، هي تحييد النساء والأطفال وكبار السنّ والمرضى عن القتال، وشرور العمليات القتالية،

وفي السنوات القليلة المنصرمة، شهدت منطقتنا حرباً على قطاع غزة، واليوم حرباً على إيران، وفي كل حرب إستخدم منطق الدفاع عن النفس بقوة،
ففي حرب غزّة، برزت إسرائيل في حالة الدفاع عن النفس في المراحل الأولى من الحرب، وفي حالة ما تصفه ب” تهديد وجودي”، إلى أن تجاوزت بالطبع حدّ الدفاع عن النفس، وشنّت حرباً تدميرية عنيفة، و أزهقت أرواح العديد من خصومها، منهم الكثير من الضحايا الأبرياء، غير المقاتلين، متذرّعة بمبدأ الدفاع عن النفس ، وذلك لتنفيذ خططها الحربية، وسياسة العدوانية طالت ليس فقط قطاع غزة، بل لبنان، سوريا وإيران،

وفي الحرب التي نشبت منذ أيام قليلة، ها هي إلجمهورية الإسلامية في إيران تبدو في حالة دفاع عن النفس، وفوراً تجاوزت هذا المنطق لتتّبع سياسة إستراتيجية، يراها البعض سياسة خاطئة، و” دعسة ناقصة” في توسيع رقعة الحرب لتطال بعض دول الخليج العربي،
إنما ما هو منطق الدفاع عن النفس في القانون الدولي، في القوانين الوطنية الداخلية، إذا وجد شخص أعتدي عليه من قبل شخص أخر، أو جماعة معينة، فإن ثبوت حالة الدفاع عن النفس تمنحه البراءة، أما بالنسبة للدول، فهل يطبق المبداً عينه؟ أي إذا وجدت دولة معينة في حالة دفاع عن النفس هل يعطيها صكّ البراءة في ردّة فعلها وعملياتها الحربية التي تمارسها في ردّها على العدوان الذي تتعرّض له،

الأمر يختلف، فالدولة التي تدافع عن نفسها، بردّة فعلها على عدوان ، إنما تعلن الحرب، وتنخرط في النزاع مع الطرف المعتدي، وتصبح العلميات القتالية كلها ، سواء كانت من الطرف المعتدي أو المعتدى عليه، خاضعة أولاً للقواعد العرفية التي تحكم الأعمال القتالية، كتحييد المدنيين، والمنشآت المدنية، والمستشفيات، وثانياً، المواثيق الدولية، المنبثقة بمعظمها من القواعد العرفية، ومن هذه المواثيق إتفاقيات جنيف الأربع التي أقرّت من دول العالم مجتمعةً بعد الحرب العالمية الثانية،
ولعبة الدفاع عن النفس ألهبت منطقة الشرق الأوسط، في حرب ضروس، نأمل إنتهاءها سريعاً، وكان لها التداعيات الإقتصادية المتدهورة في المنطقة، وبوتيرة سريعة، وكان لها التأثير السلبي الكبير على العديد من دول الشرق الأوسط، وشعوبها، التي هي مهد الحاضرات، ومهد الإنسانية، كما أنّ لها البعد الإقتصادي الواضح، واصبحت المنشآت الإقتصادية، والتي هي منشأت مدنية الإستخدام، هي بنظر الأطراف المتحاربة ” أهداف عسكرية مشروعة” أو ” أسلحة حرب” بحدّ ذاتها، في دائرة الصراع العسكري الإقتصادي المزدوج،

وأين هو القانون الدولي من كلّ هذا النزاع، وهل يقع ضمن التجريم من المحاكم الدولية، فبالنسبة للمحكمة الجنائية الدولية، وهي المحكمة الجنائية الدائمة، المختصّة بملاحقة ومعاقبة وإدانة القادة والأشخاص الطبيعيين في الجرائم المتأتية عن الحروب والنزاعات المسلّحة، فإنّه من المعلوم جيداً أن الولايات المتحدة الأميركية غير منضمّة إلى نظام المحكمة، بل هي حاربت المحكمة بوسائل شتّى، وعقدت إتفاقيات تبعد إختصاص المحكمة الجنائية عن قادتها في أي نزاع مسلّح قد ينشب في العالم، تكون القوات العسكرية الأميركية طرفاً فيه،
كما أنّ نظام المحكمة الجنائية الدولية وإن كان نصّ على تجريم ” العدوان” كقرار شنّ حرب، أي أعتبر
” العدوان” جريمة تقع ضمن نطاق إختصاص المحكمة، إنما بقي تطبيق العقاب على هذه الجريمة معلقاً، ولم تجد طريقها بعد إلى التنفيذ،
فوفق نظام المحكمة الجنائية الدولية، يعاقب على ” جرائم الحرب” و ” الجرائم ضدّ الإنسانية” و جريمة
” الإبادة الجماعية” إنما لا يعاقب الأشخاص الطبيعيون على” العدوان” بحدّ ذاته كقرار شنّ حرب، لأن هذه العقوبة لم تجد بعد طريقها إلى التنفيذ،
ومن مخاطر هذه الحرب، التي تطغى عليها المصالح الإقتصادية بشكل صارخ، أنّ هاجس دول الخليج العربي في أن يهاجمهم خصمهم الفارسي اللدود، قد تحقّق ، مما يعني أنه من البديهي أن تتّجه هذه الدول، وبعد أن تضع الحرب أوزارها ، إلى صرف أموال طائلة لمزيد من التسليح، وتكون الحرب الحالية قد مهّدت الطريق لمصانع وكارتيلات الأسلحة،
إنها حرب عسكرية إقتصادية تكنولوجية، في القرن الحادي والعشرين، تستخدم فيها التكنولوجيا في أحدث تقليعاتها، وتهدّد إقتصاد دول المنطقة، وهي تشير إلى أن الإنسانية لا تزال بعيدة جداً عن أحلام السلام العالمي، والوئام بين الشعوب، ليتعارفوا بودّ وحضارة، كما تحدثنا الأديان السماوية والعقائد الفلسفية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى