الشرق الأوسط على حافة نظام إقليمي جديد

بقلم د. محمد سلطان
الحرب الان بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل ليست مواجهة عسكرية ضمن احداث متكررة في الشرق الأوسط بل محاولة إستراتيجية لتغيير قواعد اللعبة التي حكمت الصراع في المنطقة طوال العقود الأربعة الماضية.
مقتل المرشد علي خامنئي وعدد من القادة أحدث صدمة داخل إيران ، لكنه لم يؤدِ إلى انهيار النظام كما ارادت اميركا بل على العكس استوعب النظام الايراني الصدمة ومنع حدوث فراغ، وجاء الرد الإيراني سريعا تضمن إغلاق مضيق هرمز، ما نقل المواجهة إلى حرب إقليمية.
خلال عقود كان الصراع يأخذ شكل حرب باردة تجلت في اغتيالات وحروب بالوكالة في العراق، وسوريا، ولبنان، واليمن، إضافة إلى مواجهات سيبرانية متبادلة.
غير أن حرب 2026 تمثل انتقالا نوعيا من المواجهة غير المباشرة إلى صدام عسكري مباشر.
يرى النظام الإيراني في الحرب محاولة لإسقاطه سياسيا وإعادة تشكيل المنطقة، لذلك يعتمد على إستراتيجية الحرب غير المتكافئة، مستفيدا من شبكة حلفائه الإقليميين ومن قدرته على التأثير في خطوط الطاقة العالمية.
حسابات القوة وتوازنات السياسة
من الجانب الأمريكي الإسرائيلي، تقرأ هذه الحرب بوصفها محاولة لمنع إيران من الوصول إلى العتبة النووية وإضعاف نفوذها الإقليمي المتزايد.
بالنسبة لإسرائيل، تمثل الحرب فرصة لإضعاف ما يعرف بمحور المقاومة الذي يضم إيران وحلفاءها في المنطقة، ومع واشنطن تسعى إلى تحقيق هدفين متوازيين: تدمير البنية النووية الإيرانية وإعادة فرض ميزان ردع جديد في الشرق الأوسط تكون اسرائيل فيه هي الاقوى فقط .
البعد الاقتصادي للحرب ربما يكون الأكثر خطورة على المستوى الدولي، فإغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية، أدخل الاقتصاد الدولي في حالة اضطراب حاد فارتفعت أسعار الطاقة بشكل كبير، واضطرت الدول الصناعية إلى استخدام احتياطياتها الإستراتيجية لتخفيف الصدمة.
اكثر المتضررين بعد دول الخليج هي أوروبا والصين والهند، التي تعتمد صناعاتها على استقرار إمدادات الطاقة من الخليج، حيث وجدت نفسها أمام خطر تباطؤ اقتصادي وربما ركود عالمي إذا استمرت الأزمة.
في البعد الديني والرمزي للصراع.
لا يمكن فصل الحرب عن بعدها العقائدي، فالنظام الإيراني يقوم على مفهوم ولاية الفقيه، الذي يربط الشرعية السياسية بالدور الديني، ويقدم الصراع بوصفه مواجهة مع الهيمنة الغربية ومحاربة الصهيونية.
في المقابل، ترى إسرائيل في الجمهورية الإسلامية تهديدا وجوديا، خاصة مع الخطاب الإيراني الذي ينفي شرعية الدولة الإسرائيلية.
هذا التداخل بين الدين والسياسة يزيد من صعوبة الوصول إلى تسوية، لأن التنازلات السياسية قد تفسر داخليا على أنها تراجع عقائدي.
ان فرض تسوية سياسية نتيجة الضغوط الدولية أو استنزاف الأطراف المتحاربة قد يفتح الباب لمفاوضات جديدة حول الملف النووي والأمن الإقليمي، وهو على الأرجح ما يحصل حاليا.
في ضوء المعطيات الحالية، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل الصراع:
السيناريو الأول هو استمرار الحرب لفترة طويلة في شكل حرب استنزاف، حيث يحافظ التحالف الأمريكي الإسرائيلي على التفوق العسكري، بينما تعتمد إيران على تكتيكات الحرب غير المتكافئة والضغط الاقتصادي.
السيناريو الثاني يتمثل في توسع الصراع إقليميا إذا انخرطت أطراف أخرى بشكل مباشر، ما قد يحول المواجهة إلى حرب شرق أوسطية واسعة.
أما السيناريو الثالث فهو فرض تسوية سياسية نتيجة الضغوط الدولية أو استنزاف الأطراف المتحاربة، ما قد يفتح الباب لمفاوضات جديدة حول الملف النووي والأمن الإقليمي، وهو الأرجح.
لا يمكن أيضا فصل مستقبل هذه الحرب عن التحولات الأوسع في النظام الدولي. فعدد من منظري العلاقات الدولية يرون أن العالم يمر بمرحلة انتقال من نظام أحادي القطبية إلى نظام أكثر تعددية.
ومهما كانت نتيجة الحرب، فإن ما يجري اليوم يمثل لحظة تحول في تاريخ الشرق الأوسط. فإما أن يؤدي الصراع إلى انهيار أحد أركان النظام الإقليمي القائم، أو أن يفضي إلى إعادة رسم موازين القوة في المنطقة.
لكن المؤكد أن الكلفة الكبرى ستدفعها الشعوب، التي تجد نفسها مرة أخرى في قلب صراع جيوسياسي يتجاوز حدود الدول ليصل إلى شكل النظام العالمي نفسه.




