رأي خاص

بيروت لم تعد تحتمل

أحمد خالد يافاوي

15 حزيران 2026

لا أريد الدخول في سجال يتعلق بالنازحين أو بحقوقهم أو ظروفهم الإنسانية، فهذه مسؤولية الدولة اللبنانية. وهنا لا أبرئ حزب الله وجمهوره وإيران من المسؤولية السياسية والأخلاقية عما آلت إليه الأوضاع، لأن الحروب والقرارات التي قادت إلى هذا الواقع لم تكن بلا نتائج أو أثمان. أما معالجة تداعيات النزوح وتأمين المأوى اللائق والحياة الكريمة لكل من أجبرته الحرب على مغادرة منزله، فتبقى مسؤولية الدولة ومؤسساتها المعنية، كما أن الواجب الإنساني والأخلاقي لا يقبل المساومة أو المزايدة.
لكن من حقي، ومن حق أبناء بيروت، الاعتراض على النتائج التي تُفرض على العاصمة نتيجة غياب الدولة وسوء إدارة الأزمات الوطنية.
فبيروت التي احتضنت الجميع عبر تاريخها، لم تعد تملك القدرة على تحمل المزيد من الأعباء فوق ما تعانيه أصلاً من أزمات مالية واقتصادية وخدماتية وأمنية. وقد أدى النزوح الكثيف إلى ضغط غير مسبوق على البنى التحتية والمرافق العامة، ورفع نسب الإشغال إلى حدودها القصوى، وفاقم أزمات المياه والكهرباء والنفايات والطرق والسكن، كما تسبب بارتفاع كبير في الأسعار والإيجارات على حساب سكان العاصمة وأصحاب الدخل المحدود.
أمنياً واجتماعياً، تواجه بيروت تحديات متزايدة نتيجة الاكتظاظ والضغط على المؤسسات والأجهزة المعنية بحفظ الأمن والاستقرار، فيما تتزايد المخاوف من تحول الحلول المؤقتة إلى وقائع دائمة يصعب التراجع عنها لاحقاً. أما سياسياً، فإن استمرار تحميل العاصمة وحدها تبعات الأزمات الوطنية يطرح أسئلة مشروعة حول العدالة في توزيع الأعباء والمسؤوليات بين مختلف المناطق اللبنانية.
ومن الطبيعي أن يثير هذا الواقع تساؤلات مشروعة، خصوصاً أن مناطق لبنانية عديدة نجحت، بدرجات متفاوتة، في تحييد نفسها عن معظم تداعيات النزوح والحفاظ على أمنها واستقرارها وخصوصيتها الاجتماعية والعمرانية، فيما تُترك بيروت وحدها تقريباً في مواجهة القسم الأكبر من الأعباء والنتائج المترتبة على هذه الأزمة.
صحيح أن بيروت هي عاصمة لبنان وقلبه الاقتصادي والإداري والسياسي، لكنها ليست ملزمة وحدها بتحمل كل مآسي لبنان على اختلاف أنواعها وأسبابها. فالعاصمة ليست مدينة بلا حدود، وليست خزّاناً لا ينضب للقدرة على الاستيعاب والتحمل. لها أهلها ومصالحها وخصوصيتها ودورها الذي يجب الحفاظ عليه لا استنزافه.
إن الاعتراض اليوم ليس على النازحين، بل على غياب الدولة. وليس على الواجب الإنساني، بل على غياب العدالة في توزيع المسؤوليات. وليس على استقبال المحتاج، بل على تحويل بيروت وحدها إلى الوجهة الوحيدة لكل أزمة وطنية.
فحماية بيروت ليست مطلباً مناطقياً أو فئوياً، بل ضرورة وطنية. لأن سقوط العاصمة تحت وطأة الضغوط المتراكمة لن يكون خسارة لأهلها فقط، بل خسارة للبنان كله. ولذلك فإن المطلوب اليوم خطة وطنية عادلة ومتوازنة تُراعي كرامة النازحين من جهة، وتحمي بيروت من الإنهاك والتفكك والاستنزاف من جهة أخرى، قبل أن تتحول الأزمة المؤقتة إلى واقع دائم يصعب الخروج منه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى