الشمس شمس، والليل ليل، والنهار نهار، وأمجد اليوسف أمجد اليوسف.

بقلم : إبراهيم كوكي
لم تشكل مجزرة التضامن أية صدمة لديّ حين رأيتها ..!!!
فالصدمة الأولى كانت في قرية البيضة بمدينة بانياس .. حين جمعوا أهل القرية وداسوا عليهم في أول أيام الثورة السورية .. ثم ظهر محمد البياسي في فيديو يؤكد حدوث الانتهاك في المكان نفسه ..
كان صادماً ومفزعاً أن هذا الانتهاك الذي قام به جيش الأسد كان محط جدل، كان صادماً ومفزعاً أن فئة من السوريين كان هذا الانتهاك والاعتداء بالنسبة لها محط جدل: هل حدث هذا الانتهاك شمال العراق؟ أم حقاً حدث في قرية البيضا كما يدعي الناشطون؟؟
شدة الجدل جعلتني أؤمن أننا أمام مشوار طويل من الثورة على نظام الأسد وعلى العقول معاً ..
كيف ستقنع الناس أن الشمس شمس؟ وأن الليل ليل؟ وأن الماء ماء؟!!!
إذا كانت البدهيات تحتاج لدليل، فأنت أمام موقف مفزع ومرعب.
إذا كانت مجرد إهانة قام بها نظام الأسد الطائفي تحتاج لدليل، فكيف ستقنع العقول هذه أن هؤلاء سيقتلون الآلاف دون أن يرف لهم جفن؟
من يعرف مجزرة حماة، ومجزرة سجن تدمر، والأفرع الأمنية وصيدنايا والتاريخ المستمر منذ هيمنة حزب البعث على الدولة حتى ٢٠١١ يعلم أن ارتكاب المجازر ليس حدثا يتطلب الدلائل والاثباتات والقرائن لنقول المجرم هو ذاك.
توالت الأيام، وهؤلاء الذين كنا نتجادل فيهم: هل حقا جيش الأسد هو من داس على الناس بحذائه، هؤلاء عادوا إلى البيضا نفسها فذبحوا أطفال، وفلقوا رؤوسهم بالسواطير، وأحرقوا الرضّع، وقطعوا الرؤوس، ثم رقصوا على الجثث، وأخذوا صوراً تذكارية مع بقايا الجثث والنيران ما تزال تلتهم الجثث..
لم ينتفض هؤلاء لمجزرة البيضا، لأن الإنكار أسهل من تحمّل المسؤولية ولو نفسياً على الأقلّ. من انتفض هم قلة قليلة تعرف مسبقا أن الليل ليل، والشمس شمس، وأن نظام الأسد مجرم.
المجزرة تحولت لمجازر، والشهداء كانوا بالمئات ثم صاروا بالآلاف، ثم عشرات ثم مئات الآلاف.. وتجاوزوا اليوم مليوني شهيد على أقل تقدير.
أمام هذا العدد الضخم، من الذي كان يقتل؟ بالتأكيد لم يكن القتلة بالعشرات ولا المئات ..
كانت المجازر تتم بشكل طائفي يوميٍ مستمرٍّ لدرجة أن أحد القتلة التقيته في المحكمة فأقسم على الله أنه لم قتل أكثر من شخصين ..!!!!!!! كان القتل قد استشرى لدرجة أنه اعتبر قتل شابين ليست جريمة .. لعل رفاقه وجيرانه وأقرباءه قتلوا المئات، حتى استقلَّ فعلته، وظنّ أن دماءنا رخيصة لدرجة أن اعترافه بقتل شابين منا سيجعلنا نعفو عنه.
هذا المجرم ابن بيئة، هي بيئة أمجد اليوسف، ورفاقه، وأقرباءه ..
ابن بيئة فتاة صاحت (خيي ماعمل شي، كان عميد وسائق طيارة فقط..!!!) ..
ابن بيئة لشاب كان يصيح وهو يبكي (أخدوا خيي وهو كان موظف عم يقوم بواجبه المطلوب منه) ..
ابن بيئة شبيح اتصل بأمه ليقول لها وهو في مدينة داريا: (سأطلق رصاصة على رأس ارهابي، اسمعيها) فأطلق الرصاصة وقتل الضحية، ثم سمعنا صوت أمه يقول (سمعتها حبيبي …).. الضحية عمره ١٣ سنة !
حتى لحظة اليوم لا يعتبر هؤلاء أن قتل إنسان جريمة أو حتى حدث يتطلب التفكير للحظة ..
وحين ظهر فيديو جريمة ومجزرة التضامن، شاهدته بدون أن يرف لي جفن، فنحن ندرك أن هذا جزءٌ طبيعيٌّ من عقلية وتربية هؤلاء، هذا ليس بجديد، هذا ليس كشفاً يستحق الاستغراب، ولا حدثاً صادماً يمكننا أن نستدل منه على الحقيقة لنقول (ألم نقل لكم..)؟
إن جماعة (كنا عايشين) و(ماتغير شي) و(بدنا نعيش) جماعة ذات عقلية واحدة .. تهرب من الحقيقة لتعيش في عالم بعيد عن المسؤوليات الأخلاقية .. رغيف خبزه أهم عنده من بحر الدماء الذي سال في حفرة التضامن .. دون أن يدري أن الحفرة تكبر شيئاً فشيئاً..
ولأنه يهرب من الأخلاق كلها، بل من كل البشرية والإنسانية، فإنه لم يرفع صوته يوماً بوجه أمجد اليوسف ولا جيش أمجد اليوسف، ولكنه يرفع صوته عالياً بوجه من قبض على أمجد اليوسف.. وأنهى جرائم هذا النظام كله، لأنه اليوم سيواجه حقيقة صمته سابقاً، وسيجد نفسه بمواجهة أخلاقية هو فيها خاسر.
صورتين في الفيديو يجب أن نتأملهما طويلاً:
امرأة تضع يديها على رأسها رعباً وفزعاً لحظة اعتقال أمجد اليوسف: ماذا فعل لتأخذوه ؟؟!!!!
وعناصر أمن يمسك بالمجرم وهو يصيح بملء صوته وبكل مشاعره وحماسته وعنفوانه: إلى مليون شهيد قاتلت لأجلكم 14 سنة .. الآن جاءت العدالة على يديّ أنا ..
شعبين في سوريا:
الأول يستغرب ماذا فعل أمجد اليوسف ليُعتقل..
الثاني، ناضل بوجه نظام أمجد اليوسف حتى تمكن منه اليوم.
الأول لم يشعر أن هنالك جريمة حصلت أصلاً خلال ال١٤ سنة كلها. لذلك سقف أحلامه (بدنا نعيش) ولو بوجود أمجد ونظامه ..!!
الثاني شعر أن مجرد الإساءة لأهل البيضا أول شهر من الثورة جريمة تستحق الثورة، فثار قبل وقوع المجزرة.
واليوم يقيم العدالة التي لو قامت عند أول انتهاك، وقبل وقوع المجزرة، لكان الحال اليوم غير مانحن عليه.
لكن يواسينا أن مليوني شهيد كانوا ثمنا لتبيان الحقيقة الأولى:
الشمس شمس، والليل ليل، والنهار نهار، وأمجد اليوسف أمجد اليوسف.




