اغتيال الصحافيين: هجوم على الذاكرة الحية و الحق في المعرفة

وسيم فؤاد الأدهمي
لم يعد ما يحدث للصحافيين في غزة مجرد خسائر جانبية وسط أجواء القتال، بل صار نهجًا ثابتًا لدى الاحتلال الإسرائيلي، يهدف إلى محو الرواية الفلسطينية وحرمان العالم من شهود العيان على المأساة. فالأعداد المرتفعة للصحافيين الذين قُتلوا في فترة قصيرة تكشف عن حجم الاستهداف المباشر، وعن إرادة واضحة في طمس الحقائق قبل أن تصل إلى الرأي العام.
هذه السياسة لا يمكن فصلها عن منظومة أوسع تسعى إسرائيل عبرها إلى تكريس صورة «اليهودي المظلوم» في المخيلة الغربية، وهي صورة تستمد قوتها من أحداث الاضطهاد التاريخية في أوروبا، ولا سيما الهولوكوست، وتُستثمر سياسيًا ودعائيًا لتبرير العدوان على الفلسطينيين. ومن أجل بقاء هذه السردية، تسعى تل أبيب إلى إبعاد أي مظلومية أخرى قد تزاحمها، وفي مقدمتها المأساة الفلسطينية المستمرة، بما تحمله من صور يومية للقتل والحصار والتشريد.
إسرائيل تدرك أن عدسة الصحافي وقلمه قادرة على نسف احتكارها لدور الضحية؛ إذ توثق الجرائم بالصوت والصورة، وتمنح الضحايا الفلسطينيين فرصة لعرض معاناتهم أمام العالم. لذلك، فإن استهداف المراسلين والمصورين يصبح في نظر المحتل خطوة «استباقية» لوقف انتشار الأدلة التي قد تفضح الممارسات على الأرض، وتهدد سردية «المظلومية» التي تراهن عليها الدبلوماسية الإسرائيلية لكسب الغطاء السياسي والدعم الخارجي.
المؤرخ اليهودي سالو بارون أشار إلى أن الإلحاح على تقديم التاريخ اليهودي كقصة دائمة من المعاناة لا يعكس بدقة واقع اليهود في الشرق الأوسط، حيث عاشوا أوضاعًا أفضل نسبيًا من أوضاع يهود أوروبا. لكن إسرائيل تحاول إعادة صياغة هذا التاريخ بما يجعل العرب والفلسطينيين جزءًا من تلك المظلومية، لتبرير سياساتها القمعية، وإضفاء طابع «الدفاع عن النفس» على ممارساتها.
إن اغتيال الصحافيين ليس إذن استهدافًا لأفراد فحسب، بل هجوم مباشر على الذاكرة الحية وعلى الحق في المعرفة، ومحاولة للإبقاء على العالم أسيرًا لرواية واحدة تحتكر دور الضحية وتستغلّه للتغطية على جرائم الحاضر. وهكذا يجد الفلسطيني نفسه – كما وصفه إدوارد سعيد – «ضحية الضحية»، مضطرًا إلى خوض معركة مزدوجة: مقاومة الاحتلال العسكري على الأرض، ومواجهة احتكار السردية التاريخية التي تسعى لتبرير قضيته المغتصبة وتشويهها.



