خاص الفجر الجديدطرابلسمنوعات

“ثالث ثلاثة شظايا الذات” في معرض الكتاب

معرض الكتاب السنوي في طرابلس واحة من واحات العلم والفن والحضارة أروقته ليست أرففاً خشبيةً تحملُ أوراقاً، بل هي حكايا العظماء الذين حملوا إلينا كنوزهم من كل عصر ومكـان.

هنا الفلسفة تُلقي أسئلتها، والشعر يغازل النجوم، والرواية تَسرد أفراح البشر وأتراحهم، والفن يرقص بألوان الحياةِ.في كل يوم من ايامه ترى الثقافة تزهو في ابهى حللها، يكاد لا يخلو جناح من كاتب او أكثر يوقعون كتبهم التي سكبوا فيها عصارة تجاربهم، فرح وحزن، حب والم، علوم اكتسبوها صقلت سنينهم تحولت جسورا تربط الماضي مع الحاضر، والشرق مع الغرب فتشعر ان الزمن يتقلص، فكلّ كتاب هو مرآة نرى فيها ذواتنا، وقنديل يضيء دروبا لم نعرفها من قبل.

بين اوراق كل كتاب، نبض إنساني، وحكاية تنتظر من يحييها بنهم وفضول القارئ، وكلما سألت عن رواية ترى من ابدعها يصفها كمن يحكي عن ولده. في كل يوم حكايات جديدة وكلمات تتلألأ كنجوم في ليلة صيف صافية.

اليوم اتكلم عن رواية وقعها الطبيب الأديب أشرف المسمار “ثالث ثلاثة شظايا الذات”هي العمل الثالث له رواية في اطار فلسفي تحكي رحلة امرأة تبحث عن ذاتها بين الشرق والغرب دفعتها ظروف الحرب المأساوية للهجرة الى المانيا وهي الأنثى التي عانت تسلط الذكور في الشرق فارادت ان تكسر قيودها وتبحث عن حريتها وتحظى بفرصة جديدة في مكان لا يشبه بيئتها الظالمة.ولكن الغربة كانت اقسى واظلم حيث احاطتها ظروف جعلتها تشك في انثويتها احيانا، ووسط الام الماضي وضياع الحاضر لعبت بمستقبلها ايدي شريرة اقنعتها ان التحول الى ذكر هو الحل لكل ما تعانيه.ولكنها للأسف لم تنجح فهي لم تنل الحرية التي ارادتها ولم تعد تلك الأنثى التي كانت ولم تستطع ان تكون الذكر الذي لطالما بحثت عنه.

الكاتب سرد الاحداث في سياق مشوق مزج فيه بين فن السرد وجدية البحث كأنه يحفر بأدوات الطبيب في طبقات الواقع ليستخرج الحقيقة ويطعمها في نسيج الرواية.

فالأماكن في عمله ليست مجرد خلفيات جامدة، بل هي شخصيات نابضة تتنفس تفاصيلها، كأن جدرانها تحكي تاريخ من سكنوها، كل زاوية مضاءة بلمسة أنتروبولوجية تكشف عن عين ملاحظة تقطف التفاصيل من الواقع لتحولها إلى عالم خيالي يبدو أصدق من الحقيقة ذاتها.

كل الاماكن حقيقية من ذاكرة الكاتب أما المعلومات الطبية فلم تكن مجرد إشارات عابرةٍ تزين الحبكة، بل هضمت بعمق في نسيج السرد، فهو بالاصل طبيب، تشعر وأنت تقرأُ أن كل مصطلح تشريحي، وكل وصف لمرض أو علاج، قد خضعَ لبحث علمي دقيق، حتى ليكاد القارئ يسمع صوت صفحات المجلات العلمية تهمس خلف السطور. لم يكتف الكاتب بنقل المعلومات من كتب مرجعية، بل غاص في تفاصيلها كباحث ميداني، فجاءت المشاهد الطبية كاملة الأبعاد، علمية في دقتها، إنسانية في تعاطفها، درامية في توظيفها. كأن الرواية تحمل بين طياتها وثيقة أكاديمية محفوفة بجماليات الأدب.

هذا التزاوج بين الخيال والواقع لم يكن صدفة، بل هو نتاج عقل منظم وقلب شغوف. فالكاتب لم يخترعْ عالما منفصلا عن أرضنا، بل حاك خيوط الواقع بأدق تفاصيله، محولا هذه التفاصيل الجافة إلى خليط من الإثارة والفلسفة.

الكاتب الطبيب الراقي بقلمه وادبه اراد اهداء ريع اعماله الى دور الأيتام فهو لا يبغي تجارة وهو يحمل في ذهنه خصوصية معينة للأيتام حيث كان ريع روايته الثانية للمبرات الخيرية الاسلامية اما ريع روايته الحالية فأراد ان يعود لدار ايتام في طرابلس التي دعته لتوقيعها في ربوع عرسها الثقافي السنوي بواسطة الاستاذ رامز الفري رئيس الرابطة الثقافية في طرابلس.

كل التقدير والاحترام لمبادرة الطبيب الأديب ولرقي أخلاقه وشعوره تجاه من جردهم الزمن من حنان الابوين والاسرة لفتة كريمة من انسان سخر علمه وادبه لخدمة المجتمع والانسانية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى