استراتيجية النار: الأهداف الإسرائيلية وراء الغزو البري في لبنان وتأثيراتها الإقليمية

بقلم: أشرف عبد الخالق
في ظل التطورات المتسارعة على الساحة الإقليمية اليوم، يمكن تحليل الأحداث من منظور عسكري واستراتيجي شامل، آخذاً بعين الاعتبار كافة المعطيات من التصريحات السياسية، والتحركات الميدانية، والنوعيات المستخدمة من الأسلحة، وكذلك الدوافع الاستراتيجية لكل طرف.
- بدء الغزو البري الإسرائيلي للبنان
إعلان إسرائيل عن بدء الغزو البري للبنان يعكس مجموعة من الأهداف الاستراتيجية المعقدة. تسعى هذه العملية إلى كسر شوكة حزب الله وتدمير بنيته التحتية العسكرية. الغزو الإسرائيلي يتركز على محاور استراتيجية تهدف إلى خلق منطقة عازلة على طول الحدود الشمالية، وهي السياسة التي تسعى إسرائيل لتحقيقها كجزء من استراتيجيتها للدفاع المتقدم.
الأهداف الاستراتيجية للعدو الإسرائيلي من الغزو تشمل:
إعادة المستوطنين: تأمين المناطق الشمالية وطمأنة المستوطنين الذين يعيشون في مناطق الحدود، وتعزيز استقرارهم في محاولة لتأمين عودتهم.
منع حزب الله من استخدام تفوقه الصاروخي: تدمير القدرات الصاروخية لحزب الله قبل أن يستعملها ضدهم وتصبح تهديداً أكثر خطورة.
إزاحة اليد الإيرانية من الشرق الأوسط: استهداف حزب الله كجزء من استراتيجية أوسع لإضعاف النفوذ الإيراني في المنطقة، ومنع إيران من استخدام الحزب كأداة للضغط لتحقيق مصالحها.
فصل جبهة لبنان عن غزة: تهدف العملية إلى تحييد الجبهة اللبنانية عن الصراع الفلسطيني، مما يقلل التنسيق بين حماس وحزب الله وينهي ما كان يعرف خلال الأشهر الماضية “بجبهة الإسناد”.
دعم البيت الأبيض لهذه العمليات العسكرية، حيث أكد جيك سوليفان أن الغزو يعتبر “حقاً شرعياً” لإسرائيل في الدفاع عن نفسها، يمنح إسرائيل غطاءً سياسياً ودبلوماسياً دولياً، خاصة في ظل احتمال تصعيد حزب الله للهجمات ضد الداخل الإسرائيلي.
- رد إيران على مقتل قيادات حماس وحزب الله
دخلت إيران بقوة في المعركة بعدما تم استهداف قيادات محورية من حماس وحزب الله، بما في ذلك الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله. كان رد إيران عبر توجيه ضربة بصواريخ فرط صوتية نحو تل أبيب، مما يمثل تحولاً خطيراً في طبيعة الصراع. الصواريخ التي أطلقتها إيران، رغم اعتراض بعضها من قبل الدفاعات الإسرائيلية والأمريكية، تعكس استعداد طهران لاستخدام قدراتها الاستراتيجية لحماية حلفائها في لبنان وفلسطين، خصوصاً أنها لم تستهدف المدنيين بل استهدفت أماكن حيوية ومواقع عسكرية استراتيجية.
تصريحات جيك سوليفان التي قللت من أهمية هذه الضربة تشير إلى محاولة واشنطن لاحتواء التداعيات الدبلوماسية لهذه العملية وعدم التصعيد أكثر، خاصة مع اقتراب الانتخابات الأمريكية. ومع ذلك، فإن هذا النوع من الهجمات قد يُستخدم كورقة ضغط في أي مفاوضات أو ترتيبات أمنية مستقبلية.
- استراتيجية حزب الله
حزب الله رفع من وتيرة عملياته عبر استخدام صواريخ باليستية وصاروخ “نور” ضد قاعدة رامات دافيد الجوية، في تصعيد لافت. استخدام الصواريخ الباليستية في هذه العمليات يدل على قدرة الحزب على استهداف منشآت عسكرية حيوية داخل العمق الإسرائيلي. تكرار استهداف قاعدة رامات دافيد مع استخدام نوعية جديدة من الصواريخ يشير إلى تطور نوعي في تكتيكات الحزب وامتلاكه قدرات صاروخية متقدمة.
علاوة على ذلك، استهداف القواعد البحرية الإسرائيلية هو جزء من استراتيجية “حرب استنزاف” تهدف إلى ضرب القدرات الإسرائيلية البحرية، التي تلعب دورًا حاسمًا في حماية الساحل الإسرائيلي وفي أي عمليات إنزال برمائي محتملة.
- السيناريو المستقبلي وتداعيات الضربات الإيرانية والحزبية
إطلاق حزب الله صواريخ باليستية واستهداف القواعد البحرية والبرية يشير إلى أن الحزب يسعى إلى جرّ إسرائيل إلى مواجهة مفتوحة. ومع ذلك، فإن اعتماد الحزب على استراتيجية الصواريخ المتطورة مع المحافظة على ردود مدروسة يأتي في إطار حسابات دقيقة تهدف إلى منع حدوث رد فعل إسرائيلي مفرط أو غزو بري واسع داخل لبنان.
دعم الولايات المتحدة لإسرائيل يعطيها مساحة أوسع للمناورة والاستمرار في العمليات البرية دون خشية من التدخل الدولي الفوري. التحركات الميدانية قد تتصاعد في الأيام المقبلة مع محاولات إسرائيل تكثيف عملياتها لاستنزاف حزب الله على المدى الطويل.
- تداعيات إقليمية
الضربات الإيرانية وإعلان حزب الله عن توجيه ضربات متزايدة يمثل تصعيدًا خطيرًا قد يؤثر على المنطقة ككل. تسعى إيران إلى حماية نفوذها في المنطقة وتوجيه رسائل قوية لإسرائيل ولحلفائها في الخليج، مفادها أن أي استهداف للحلفاء سيواجه برد مباشر. في هذا الإطار، قد يدفع تصاعد التوتر أطرافًا أخرى مثل حماس والحوثيين للتدخل بشكل أوسع، مما يعني أن جبهة الصراع قد تتسع لتشمل ساحات جديدة في المنطقة.
- الاحتمالات المستقبلية
من المحتمل أن تتجه الأمور إلى مزيد من التصعيد خلال الأسابيع القادمة. ستستمر إسرائيل في محاولة ضرب القدرات الصاروخية لحزب الله وتوجيه ضربات عميقة للبنية التحتية العسكرية للحزب. في المقابل، يعتمد حزب الله على استراتيجيته المتكررة بتوجيه ضربات دقيقة للمنشآت الحيوية، وقد يرفع من وتيرة الهجمات إذا استمر الغزو البري.
إيران بدورها قد تتدخل بشكل أكبر إذا ما شعرت بأن حلفاءها في خطر وجودي أو قامت إسرائيل بالرد على ضربة إيرانية لها. الوضع الإقليمي بأكمله مرشح للانفجار إذا لم يتم احتواء هذا التصعيد، وخاصة في ظل الدعم الأمريكي المفتوح لإسرائيل.
الخاتمة
التحليل يظهر أن الصراع الحالي في لبنان هو جزء من معركة أكبر تتجاوز الحدود اللبنانية، وتشمل التحالفات الإقليمية والدولية. تسعى إسرائيل لتحقيق أهداف استراتيجية متعددة، في حين يسعى حزب الله وإيران إلى فرض معادلات ردع جديدة. المنطقة مقبلة على فصل جديد من المواجهة العسكرية التي قد تحمل تداعيات كبيرة على المدى الطويل، خصوصًا مع ازدياد احتمالية تدخل الدب الروسي كحليف عسكري قوي لإيران، وتدخل العملاق الصيني الذي يحقق نجاحًا اقتصاديًا كبيرًا إلى جانب إيران. وطبعًا، الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا لن يتركوا كيان الاحتلال (إسرائيل) بمفرده، مما يجعلنا أمام حرب إذا ما اندلعت سوف تؤدي إلى تغيير خريطة الشرق الأوسط السياسية، وستتغير على إثر هذه الحرب التوازنات الدولية بشكل خاص، بعدما هيمنت على مدى سنوات طويلة سياسة القطب الواحد في الساحة الدولية.




