الفجر الجديد

التعليم في زمن الحرب: عندما تصبح مصلحة الطفل أولوية وطنية

التعليم في زمن الحرب: عندما تصبح مصلحة الطفل أولوية وطنية

بقلم: د. مايا بسام إبراهيم
مسؤولة وحدة الأسرة والطفل – المجلس الدولي لحقوق الإنسان

في الأوقات الطبيعية، تُعدّ الامتحانات الرسمية محطة أساسية في المسار التعليمي للطلاب، ووسيلة لتقييم التحصيل العلمي وقياس مخرجات العملية التربوية. إلا أن الأزمات الاستثنائية تفرض على صناع القرار مقاربات استثنائية، يكون معيارها الأول والأخير حماية الإنسان، ولا سيما الطفل الذي يفترض أن يكون محور السياسات التربوية لا ضحيتها.

اليوم، يعيش لبنان ظروفاً بالغة الصعوبة في ظل استمرار الحرب والاعتداءات الإسرائيلية التي طالت مناطق واسعة من الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت ومناطق أخرى. هذه الحرب لم تقتصر آثارها على الدمار المادي والخسائر البشرية، بل امتدت إلى النسيج الاجتماعي والنفسي والتربوي للعائلات اللبنانية بأكملها.

إن آلاف الطلاب حُرموا من حقهم الطبيعي في التعليم المنتظم بسبب النزوح القسري، فيما تحولت مدارس عديدة إلى مراكز إيواء للنازحين، الأمر الذي أدى إلى تعطيل العملية التعليمية لفترات طويلة. كما أن عدداً كبيراً من الطلاب اضطر إلى متابعة دراسته عن بعد في ظروف غير متكافئة، وسط انقطاع الكهرباء وضعف الإنترنت والضغوط النفسية الهائلة التي رافقت مشاهد الحرب والخوف وعدم الاستقرار.

ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: هل يمكن اعتبار الظروف التعليمية الحالية متكافئة وعادلة بما يكفي لإجراء امتحانات رسمية تحدد مستقبل الطلاب؟

إن العدالة التربوية لا تعني معاملة الجميع بالطريقة نفسها، بل تعني مراعاة الفوارق والظروف الاستثنائية التي يمر بها المتعلمون. فمن غير المنصف أن يُطلب من طالب عاش تجربة النزوح أو فقدان الأمان أو الانقطاع المتكرر عن الدراسة أن ينافس طالباً أتمّ عامه الدراسي بصورة أكثر استقراراً.

إننا لا نتحدث هنا عن تراجع أكاديمي فحسب، بل عن أزمة نفسية عميقة يعيشها الأطفال والمراهقون. فقد أثبتت الدراسات النفسية أن التعرض المستمر للتهديد والخوف وعدم اليقين يؤثر مباشرة في التركيز والذاكرة والقدرة على التعلم واتخاذ القرار. والطفل الذي يذهب إلى امتحانه وهو مثقل بالقلق والخوف على أسرته ومستقبله لا يمكن تقييمه بالمعايير التقليدية نفسها التي تُعتمد في الظروف الطبيعية.

ولا يقتصر الأمر على الطلاب وحدهم، بل يمتد إلى الأهالي الذين يعيشون ضغوطاً اقتصادية وأمنية ونفسية غير مسبوقة. فالأب والأم اللذان يسعيان يومياً إلى تأمين الحد الأدنى من الأمان والاستقرار لأطفالهما يجدان نفسيهما أمام عبء إضافي يتمثل في القلق على الامتحانات الرسمية وما يرافقها من توتر وضغط نفسي.

إن المطالبة بإلغاء الامتحانات الرسمية لهذا العام أو استبدالها بآلية تقييم استثنائية عادلة لا تنطلق من منطق التهاون أو خفض المعايير التعليمية، بل من منطق حماية مصلحة الطفل الفضلى، وهو المبدأ الذي كرسته الاتفاقيات الدولية لحقوق الطفل والتشريعات التربوية الحديثة.

ومن موقعنا التربوي والإنساني، ندعو معالي وزيرة التربية والتعليم العالي السيدة ريما كرامي إلى الإصغاء لصوت الطلاب والأهالي والمعلمين والخبراء النفسيين والتربويين، والنظر بعين المسؤولية الوطنية إلى حجم المعاناة التي عاشها أبناء هذا الجيل خلال الأشهر الماضية.

إن الاستجابة لهذا المطلب ليست تراجعاً عن هيبة الدولة أو عن قيمة الشهادة الرسمية، بل هي تأكيد على أن الدولة تقف إلى جانب أبنائها عندما يمرون بظروف استثنائية. فالقوة الحقيقية لأي نظام تربوي لا تكمن في التشبث بالإجراءات مهما كانت الظروف، بل في قدرته على التكيّف مع الأزمات بما يحفظ العدالة والإنسانية معاً.

إن أطفال لبنان لا يحتاجون اليوم إلى امتحان إضافي يختبر قدرتهم على تحمل الضغوط، فقد امتحنتهم الحرب بما فيه الكفاية. ما يحتاجونه هو رسالة واضحة من دولتهم مفادها أن صحتهم النفسية وأمنهم ومستقبلهم أولوية لا تقل أهمية عن أي استحقاق إداري أو أكاديمي.

وفي النهاية، فإننا نرفع هذا النداء باسم كل طالب عاش الخوف، وكل أم سهرت على قلق أبنائها، وكل أب حاول أن يحمي أسرته وسط العواصف، آملين أن ينتصر صوت الحكمة والعدالة التربوية، وأن يُتخذ القرار الذي يراعي مصلحة الأطفال والشباب ومستقبل لبنان قبل أي اعتبار آخر.

فالأوطان تُبنى بالعلم، نعم، لكنها تُبنى أيضاً بالرحمة والعدالة والإنسانية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى