رأي خاص

إيران في قلب توازنات العالم

بقلم نعمت كروم


«ليست لدينا تحالفات أبدية، ولا أعداء دائمون. مصالحنا هي الأبدية والدائمة.»
— اللورد بالمرستون
لا تُقاس أهمية إيران بما يُقال عنها، بل بما تُبنى عليه السياسات تجاهها.
إيران ليست ملفًا معزولًا، بل جزءًا من شبكة مصالح معقدة تتقاطع فيها اعتبارات الطاقة والنفوذ بين القوى الكبرى.
لا أحد من القوى الكبرى يريد إنهاء النظام الإيراني بالكامل. هذا يتضح في مسار الملف النووي منذ اتفاق 2015 بين طهران وواشنطن، ثم انهياره لاحقًا، من دون الانتقال إلى خيار إسقاط النظام. ما حدث فعليًا هو انتقال من اتفاق إلى عقوبات، ثم إلى مفاوضات غير مباشرة عبر وسطاء، من دون الانتقال إلى مواجهة مباشرة لحسم الملف.
الاستثناء الواضح هو إسرائيل، التي تتعامل مع النظام الإيراني كتهديد وجودي مباشر، وبالتالي لا تكتفي بمنطق الاحتواء، بل تدفع باتجاه إضعافه الجذري أو تغييره.
التعامل مع إيران لا يمكن عزله عن العلاقة بين الولايات المتحدة والصين وروسيا.
الولايات المتحدة تعتمد سياسة واضحة تقوم على العقوبات، بما في ذلك العقوبات الثانوية التي تستهدف أي طرف يتعامل مع النفط الإيراني.
في المقابل، تنظر الصين إلى إيران من زاوية الطاقة، حيث يشكّل استمرار تدفق النفط الإيراني، حتى عبر قنوات غير مباشرة، جزءًا من أمنها الاستراتيجي، في سياق اعتمادها الكبير على استيراد الطاقة.
أما روسيا، فتتعامل مع إيران ضمن مصالح إقليمية محددة، وليس ضمن تحالف ثابت، بل وفق تقاطع مصالح يتغير مع كل مرحلة من التوتر مع الغرب.
لبنان ليس خارج هذا المشهد، بل أحد انعكاساته المباشرة.
منذ أزمة 2019، أصبح النظام المالي اللبناني تحت ضغط رقابة دولية وعقوبات غير مباشرة مرتبطة بالمنظومة المصرفية العالمية، ما جعل الاقتصاد اللبناني جزءًا من التوازنات الخارجية أكثر من كونه نظامًا داخليًا مستقلًا.
وفي ملف ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل عام 2022، لعبت الوساطة الأمريكية دورًا حاسمًا في الوصول إلى اتفاق، ما يعكس أن القرارات السيادية الأساسية في لبنان تمر عبر توازنات دولية.
الصين حضورها محدود وغير مباشر، بينما إيران حاضرة عبر النفوذ السياسي والأمني المرتبط بالإقليم لا عبر الدولة أو الاقتصاد، وحزب الله جزء من هذا السياق لا ككيان منفصل عنه.
التصعيد بين إسرائيل وإيران منذ 2023 انعكس مباشرة على جبهة جنوب لبنان ضمن منطق “وحدة الساحات”، ما يعني أن مستوى التوتر في لبنان مرتبط بمستوى التوتر الإقليمي لا المحلي فقط.
وفي المقابل، أي تشديد للعقوبات على إيران ينعكس على هامش الحركة السياسية والمالية في الساحات المرتبطة بها، من دون أن يغيّر موقع الفاعلين بقدر ما يعيد ضبط مساحة حركتهم.
في المحصلة، لا تُقاس مكانة إيران في النظام الدولي بما يُقال عنها، بل بما تُبنى عليه السياسات حولها: خطوط ضغط، ومساحات تفاوض، وحدود نفوذ تتبدّل مع كل مرحلة. وما يبدو ثابتًا اليوم، ليس سوى شكل مؤقت لخرائط لم تكتمل بعد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى