
أحمد نجيب درويش
نقلاً عن صحيفة الإنشاء
من نقطة ارتكاز جغرافي أسير الخاصرة الإيمانية عند نهاية شارع التل المزدهر في حينه، إلى مطالع الذراع التراثي للمدينة القديمة، كان يستهويني في طفولتي وفي حارتي حضانة كنيسة الراهبات الراعية للرعية وارتقاء لعلو مطلوب لمئذنة المسجد المنصوري الكبير يستهويني ذلك القصر الفخيم بين معروشات وباسقات من خضرة الفيحاء العائدلوجيه مسيحي الراحل الاستاذ جبران نحاس الذي شغل عدة مناصب وزارية في حكومات رجل الاستقلال الرئيس رياض الصلح..
ومن تماهي المدينة على شاطئها الى اسواقها كانت طائفة الروم الارثوذكس واجنحتها الارمن والروم الكاثوليك الى كل اعتناق انجيلي ملتزم والذين اكدوا حضورهم التاريخي في عاصمة العيش الواحد، السياسي والبلدي والاختياري والتجاري وكانت الحركة اليسارية والتطلعات الوطنية تستقطب قادة من طائفة الروم الى عمق جوارها مع القضاء الاقرب الكورة المتمثلة نيابياً وحصرياً بالروم الارثوذكس …
“وسوا ربينا” حقيقة وليس افتراضاً … وقبل مؤتمر الطائف وتوزيعاته كان لطرابلس خمسة نواب، أربعة للسنة وواحد للروم وكان للرئيس الشهيد رشيد كرامي تحالف متين في معظم معاركه الانتخابية الى ان دخل على الخط وبقوة النائب الراحل موريس الفاضل فكانت اللوحة الزرقاء له ممثلاً طائفة الروم بشعبية لافتة.
وأذكر احدى محاسنه عندما بدأت مشكلة الكهرباء بسبب الاحداث الأليمة أن زود منطقته العزيزة على قلبه الأسواق الداخلية بمولد اضاء به معظم بيوت فقراء المنطقة..
وفي انتخابات ١٩٩٢ قررت معظم القوى المسيحية مقاطعة الانتخابات.. وكان عدم الترشح الذكي من موريس الفاضل حفاظاً على دوره ومؤسساته في المنطقة الشرقية حيث كانت تسمى، ففاز بالمقعد المصرفي سليم حبيب، ثم نجله السيد روبير على لائحة مدعومة من تيار المستقبل وشخصيات طرابلسية سياسية وازنة..
وكانت خيبة الأمل من النائب روبير الذي استقال من النيابة تحت مسمى طائفي غير دقيق وفيه اجحاف كبير بحق المدينة بناء على نتائج انتخابات بلدية غاب عنها التمثيل المسيحي بسبب منافسة اللوائح والتشطيب بين القوى السنية مما استدعى التصريح لمرشحة لبلدية طرابلس من الروم الارثوذكس السيدة فرح عيسى بقولها انها حصدت اكثر من ١٥٠٠٠ صوت بالأرقام ومن المؤكد أنها ليست فقط اصوات مسيحية.
المقترعون من مختلف الطوائف لا يأبهون كثيراً للعملية الانتخابية بل ان احدهم وصفها بأنها فولكلور شعبي وهو ليس من طرابلس للعلم فقط إلى أن ضم الرئيس نجيب ميقاتي الى لائحته الاقتصادي نقولا نحاس فأعاد بذلك المقعد إلى المربع الأول ويومها تندرنا كثيراً بطوائف من فازوا مع الرئيس ميقاتي فكان السني والماروني والعلوي والروم بتعددية تنوعية مريحة ومهضومة من ناخبين ممتعضين من القانون الانتخابي السيء الذي يخبئ المفاجآت لتبقى مفاعيل الحاصل الانتخابي العام.
لكل لائحة حصة من النواب حسب الحاصل والشطور والكسور فبات المقعد الارثوذكسي حزورة وينسحب هذا ايضاً على مقاعد الأقليات لغزو ساحة النجمة وساعة العبد تتهيأ لاستقبال الوجوه الجديدة على دقات غريبة، ومن اللافت انني والكثير من متابعي محاصيل الصناديق وقفنا مطولاً امام اصوات تفضيلية فاقت الثلاثة آلاف لاحد المرشحين ولم يحالفه حظ الحاصل الكبير ففاز بالمقعد من نال عشرات الأصوات وهذا بفضل القانون الأعرج الذي فصل على قياسات سياسية عرفت كيف تستغله بشطارة وقدرة، ولا تقليل بذلك من قيمة احد..
بالعودة الى صوت الروم الارثوذكسي اذكر انتخابات بلدية قديمة لمدينة الميناء التي ناصفت بالفوز بالعضوية بين لائحتين وذلك لعدة أسباب اهمها وجود شخصيات محترمة وقريبة من قلوب الناس فكان لمشاركة السيدة الراقية بشرى دبج وللصديق الاستاذ رفلي دياب الرافعة التي اوصلت الفوز بعشرة مقاعد من اصل ٢١ عضواً.
الحزورة قد ينحو منها ثلاثة الى أربعة من مقاعد السنة في طرابلس ودائرتها الانتخابية ويبقى أحياناً الرابع والخامس وفق مزاج كل صندوق يرد على لجان الفرز فالناجح عند الثانية فجراً يخيب امله عند الرابعة فجراً…
أما القانون الأكثري فهو يحمل التمثيل الاقرب الى مزاج الناخب واختياره وسامح الله من ساهم بتظهير قانون الكسور والشطور القريبة من لعبة أرقام اللوتو التي تختار عشوائياً لاعتمادها قواعد اللعب ولو كان اللعب على الحبال.
المقاعد الحزورة مثلما كانت في طرابلس فهي ايضاً في كل المناطق حافلة بأسهم نارية تنتظر المفاجآت…
وبإنتظار فوازير رمضان او بإنتظار القانون الهجين ..




