رأي خاص

فخ ثوسيديدس: قمة بكين وتوازن الردع بين واشنطن وبكين

بقلم نعمت كروم


إننا نعيش اليوم ما يُعرف بـفخ توسيديوس، المفهوم الذي يصف صدام قوة مهيمنة مع أخرى صاعدة، كما حدث بين أثينا وسبارطة. المشهد الحالي بين الولايات المتحدة والصين يعيد طرح الفكرة نفسها بصيغة معاصرة: قوة تسعى إلى تثبيت موقعها، وأخرى تقترب منه بثقل اقتصادي وتكنولوجي متزايد. وقد أشار Alain Peyrefitte في كتابه Quand la Chine s’éveillera le monde tremblera إلى أن صعود الصين سيهزّ توازن العالم. من هنا، لا تبدو قمة بكين تفصيلًا دبلوماسيًا، بل محطة ضمن صراع على شكل النظام الدولي.
يتخذ التنافس بين واشنطن وبكين طابعًا اقتصاديًا وتقنيًا أكثر من كونه عسكريًا مباشرًا. سلاسل الإمداد، والرقائق، والتجارة أصبحت ساحات ضغط متبادل تُستخدم لإعادة توزيع القوة.
طرحت واشنطن مسألة تقليص العجز التجاري وقيّدت الوصول إلى التكنولوجيا المتقدمة، خصوصًا في قطاع الرقائق. في المقابل، ركزت بكين على الاستقرار الاقتصادي ورفض تحويل التجارة إلى أداة ضغط، مع تثبيت تايوان كقضية سيادية حساسة.
حضور شركات مثل Apple وTesla وNvidia ضمن المشهد الأمريكي يعكس تداخل السياسة بالاقتصاد. Apple تعتمد على منظومة تصنيع داخل الصين، Tesla ترتكز على مصنع شنغهاي، وNvidia أصبحت محورًا في الصراع على التكنولوجيا المتقدمة.
إيران تتحرك داخل تقاطع الحسابات بين بكين وواشنطن. اعتماد الصين الكبير على الطاقة، مع استيرادها ما يزيد عن عشرة ملايين برميل يوميًا، يجعل ملف النفط عنصرًا دائم الحضور في حساباتها الاستراتيجية. لا يُدار هذا الملف بمعزل عن التنافس بين القوتين، بل كجزء منه.
ما تكشفه قمة بكين لا يخرج عن هذا المسار. فالتنافس بين واشنطن وبكين لا يتجه نحو تسوية نهائية، بل نحو إدارة مستمرة للصراع عبر الاقتصاد والتكنولوجيا وأدوات النفوذ غير العسكري.
بل إن ما نشهده اليوم من حروب ليس معزولًا عن هذا المسار، بل يرتبط مباشرة بإصرار الولايات المتحدة على منع صعود قوة منافسة، ضمن منطق فخ توسيديوس. غير أن هذا الفخ، حتى الآن، لا ينفجر، بل يُدار؛ يُبقي التوتر قائمًا دون أن يتحول إلى مواجهة شاملة.
ضمن هذا التوازن، لا تبدو الأزمات الإقليمية، ومنها إيران، خارج المعادلة، بل تتحرك داخلها، كجزء من اختبار مستمر لحدود القوة والنفوذ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى