السيدة التي ضربت على الروشة لم تكن عارية بل كانت ترتدي لبنان كله…

بقلم: ديما حسين صلح
ثمة أوطان تسقط بالحروب، وأوطان تسقط بالجوع، وأوطان تسقط حين تفقد عملتها وقوت شعبها.
أمّا لبنان، فقد بلغ مرحلة أكثر رعباً، فصار يسقط في امتحان الإنسان نفسه.
أمس الأحد، في بيروت، لم يكن المشهد الأكثر عرياً تلك المرأة التي تاهت على كورنيش الروشة بعدما هزمها عقلها المتعب، بل ذلك القدر الهائل من القسوة الذي انكشف دفعة واحدة على وجوه الناس.
فحين تُرفع اليد على امرأة فقدت اتزانها النفسي، يصبح الجسد العاري تفصيلاً صغيراً أمام أرواح تجردت من الرحمة، وأمام وطنٍ يتقن ادّعاء الأخلاق فيما يترك أبناءه يسقطون واحداً تلو الآخر إلى قاع الانهيار.
الروشة… مرآة لبنان العاري
أمس، على الرصيف المطلّ على بحر بيروت في الروشة، لم تكن تلك المرأة وحدها تسير مكشوفة أمام الناس، بل كان لبنان كلّه يمرّ عارياً أمام نفسه.
وماذا حصل؟
اقترب رجل منها وضربها، بهذه البساطة.
رفع يده على امرأة فقدت القدرة حتى على ستر جسدها، ثم مضى بعض الناس في تبرير المشهد، كأنّ الكارثة ليست في اليد التي ضُربت بها، بل في الجسد الذي لم يعد يملك وعيه.
هنا بالتحديد يسقط آخر قناع عن هذا المجتمع، لأنّ الأوطان لا تُعرف من خطابات السياسيين، ولا من عدد الأبراج على الواجهة البحرية، بل من الطريقة التي يُعامل بها الإنسان حين يصبح ضعيفاً بالكامل.
وهذه المرأة كانت أضعف من أن تدافع عن نفسها.
العري الحقيقي
لكن من قال إنّ العري كان فيها وحدها؟
كلّ لبنان كان يسير معها على ذلك الرصيف.
كانت ترتدي الدولة العارية من العدالة، وترتدي المصارف العارية من الشرف، وترتدي أحزاباً عارية من الضمير، وسياسيين يتقاسمون الحصص فيما الناس يتساقطون نفسياً واقتصادياً وأخلاقياً.
وترتدي شعباً أرهقته الحروب والتهديدات والانهيارات حتى صار يخلط بين الغضب والوحشية.
وترتدي خوف اللبناني الذي ينام كل ليلة على احتمال جديد لهذه الحرب، ويستيقظ كل صباح على إذلال جديد.
حين تُرفع اليد على امرأة فقدت اتزانها النفسي، يصبح الجسد العاري تفصيلاً صغيراً أمام أرواح تجردت من الرحمة، وأمام وطنٍ يتقن ادّعاء الأخلاق فيما يترك أبناءه يسقطون واحداً تلو الآخر إلى قاع الانهيار
امرأة ترتدي وجع اللبنانيين
هذه المرأة لم تكن تسير بلا ثياب، كانت تسير بثيابنا جميعاً.
كانت صورة اللبناني الذي سُرقت أمواله فصمت، وصورة الأم التي تبيع ما تبقّى من ذهبها لتدفع فاتورة دواء، وصورة الشاب الذي يقف في المطار مودّعاً وطنه كأنّه يهرب من سفينة تغرق، وصورة المواطن الذي يعيش منذ سنوات تحت ضغطٍ نفسي متواصل حتى بات الانهيار العقلي احتمالاً يومياً لا حادثة نادرة، وصورة النازحين غير المدركين لمصيرهم.
لكنّ المأساة في لبنان أنّ الناس اعتادوا رؤية الانهيار الجماعي، ولم يعودوا يتأثرون به.
لم يعد يهزّهم جوع الناس، ولا خوفهم، ولا اكتئابهم، ولا انتحارهم البطيء.
وحدها المرأة العارية كانت كافية كي تستنفر الجموع، لا لإنقاذها، بل لمحاكمتها.
حين يصبح الضحية مذنباً
كأنّ الجسد أخطر من الفساد، وكأنّ المرض النفسي أفدح من سرقة وطن، وكأنّ امرأةً فقدت عقلها أخطر على المجتمع من الذين دمّروا البلد فوق رؤوس أهله، ثم خرجوا على الشاشات يتحدثون عن الشرف والكرامة و”الهيهات منّا الذلة”.
الرجل الذي ضربها ليس مجرد شخص جاهل، إنّه ابن هذا الخراب الكبير، ابن ثقافة تعتبر الرحمة ضعفاً، والقسوة رجولة، والعنف حقاً مكتسباً.
وحين يتحوّل مريض نفسي إلى مادة للضرب والتصوير والسخرية، فهذا يعني أنّ الانهيار لم يعد اقتصادياً فقط، بل صار انهياراً في معنى الإنسان نفسه.
ما تبقّى من الرحمة
ومع ذلك، وسط هذا المشهد الأسود، كان هناك من غطّاها برفق، وهذا وحده ما يستحق التوقف عنده.
لأنّ الفرق بين مجتمع يموت ومجتمع يمكن إنقاذه، هو وجود أشخاص ما زالوا يعرفون أنّ الإنسان لا يُهان حين يسقط، بل يُحمى، وأنّ من يفقد عقله ليس مجرماً، وأنّ الكرامة لا تسقط حتى لو سقط كل شيء آخر.
كأنّ الجسد أخطر من الفساد، وكأنّ المرض النفسي أفدح من سرقة وطن، وكأنّ امرأةً فقدت عقلها أخطر على المجتمع من الذين دمّروا البلد فوق رؤوس أهله،
لبنان… غرفة طوارئ مفتوحة
لبنان اليوم ليس دولة، لبنان غرفة طوارئ كبيرة، شعبٌ كامل يتعايش مع القلق، مع الذلّ، مع الخوف، مع الانهيار النفسي الجماعي، ثم يطلبون منه أن يتصرّف كأنّه بخير.
لهذا، فإن هذه المرأة كانت بياناً دموياً عن حال وطنٍ كامل، وإذا كان ثمّة عارٌ حقيقي في هذه القصة، فهو ليس جسد امرأة تكسّر عقلها تحت وطأة الحياة، بل هذا الاعتياد المرعب على القسوة… هذا التصالح اليومي مع سقوط الإنسان… هذا البلد الذي صار يرى الضحية مستفزّة، والمريض مذنباً، والرحمة ترفاً.
السيدة التي ضُربت على الروشة لم تكن عارية وحدها، كلّنا في لبنان نمشي مكشوفي الروح، ممزّقي الكرامة، منهكين حتى العظم.
لكنّ الفرق الوحيد…
أنّها سقطت أمام الناس دفعةً واحدة،
أما نحن، فننهار منذ سنوات… على مهل…



