الذكاء الاصطناعي والانتحار: عندما تتحوّل الخوارزمية من أداة مساعدة إلى خطرٍ قاتل

بقلم المحامي د. داني جعجع
لم يعد الخطر القانوني للذكاء الاصطناعي محصوراً في انتهاك الخصوصية، أو سرقة البيانات، أو نشر الأخبار الكاذبة، بل بدأ يظهر خطر أشدّ حساسية: أن يتحوّل النظام الذكي، وخصوصاً روبوتات المحادثة، إلى طرف مؤثّر في هشاشة الإنسان النفسية، أو إلى رفيق افتراضي يكرّس العزلة، أو إلى مصدر “نصيحة” قد تدفع مستخدماً مضطرباً إلى إيذاء نفسه أو الانتحار.
وقد شهدت السنوات الأخيرة دعاوى قضائية في الولايات المتحدة وأوروبا تتهم شركات ذكاء اصطناعي بأن روبوتات المحادثة التابعة لها ساهمت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في وفاة مستخدمين أو في تعميق أزماتهم النفسية. ومن أبرز الأمثلة الدعوى المقامة ضد OpenAI في كاليفورنيا، حيث اتهمت عائلة شاب توفي بجرعة قاتلة النظام بتقديم نصائح خطرة مرتبطة بتعاطي مواد مؤذية، مع ادعاء وجود خلل في وسائل الحماية والتحذير. وقد نفت الشركة مسؤوليتها المباشرة وأشارت إلى أن التفاعلات حصلت مع نسخة قديمة من النظام، لكن القضية تفتح باباً واسعاً أمام مساءلة قانونية جديدة تتعلق بمنتجات الذكاء الاصطناعي.
المسألة القانونية هي الآتية: هل يبقى الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تقنية محايدة، أم يمكن اعتباره منتجاً رقمياً خطراً عندما يُصمَّم بطريقة تدفع المستخدم إلى الثقة العمياء، أو التعلّق العاطفي، أو العزلة، أو تلقي إرشادات تمسّ سلامته الجسدية والنفسية؟
في القانون الجزائي اللبناني، لا يمكن تجاهل المادة 553 من قانون العقوبات، التي تعاقب من “حمل إنساناً بأي وسيلة كانت على الانتحار أو ساعده” إذا تم الانتحار، كما تنص على عقوبة في حالة الشروع إذا نجم عنه إيذاء أو عجز دائم، وتشدد الحكم إذا كان الشخص حدثاً دون الخامسة عشرة أو معتوهاً. أهمية هذا النص أنه يستعمل عبارة واسعة: “بأي وسيلة كانت”، وهي عبارة تسمح نظرياً بمناقشة الوسيلة الرقمية أو الخوارزمية متى ثبت وجود علاقة سببية بين التوجيه أو المساعدة وبين النتيجة الجرمية.
لكن الصعوبة تكمن في أن الذكاء الاصطناعي لا يملك، بالمعنى التقليدي، إرادة جرمية مستقلة. فلا يمكن ملاحقة “الخوارزمية” بذاتها كما يُلاحق الإنسان. لذلك تنتقل المسؤولية إلى الأشخاص الطبيعيين أو المعنويين الذين صمموا النظام، أو أطلقوه، أو سوّقوه، أو أهملوا وضع ضوابط السلامة، أو استمروا في تشغيله رغم علمهم بالمخاطر. وهنا ننتقل من فكرة “التحريض المباشر” إلى فكرة أوسع: الإهمال الجسيم، عيب المنتج الرقمي، التقصير في واجب الحماية، والفشل في التحذير.
فالخطر لا يكمن فقط في أن يقول الروبوت عبارة صريحة تشجع على الانتحار. الخطر الأكبر يكمن في التراكم: محادثات طويلة، تعاطف زائف، تشجيع على كتمان الألم عن العائلة، إضعاف الثقة بالأطباء أو الأقارب، تقديم معلومات حساسة حول إيذاء النفس، أو تحويل المستخدم الضعيف نفسياً إلى شخص معزول لا يرى في العالم سوى صوت الآلة. هنا يصبح الذكاء الاصطناعي ليس مجرد “مجيب”، بل بنية تأثير نفسي مستمر.
ومن الزاوية المدنية، يمكن تصور مسؤولية الشركة المطوّرة أو المشغّلة على أساس الخطأ التقصيري إذا ثبت أنها لم تعتمد إجراءات معقولة لمنع الضرر، خصوصاً عند التعامل مع القاصرين أو الأشخاص الذين تظهر عليهم مؤشرات اضطراب نفسي. ويشمل ذلك واجب وضع أنظمة إنذار عند ظهور عبارات تتعلق بالانتحار، وواجب وقف الحوار الخطير، وواجب توجيه المستخدم إلى مساعدة بشرية أو طبية، وواجب منع تقديم معلومات عملية قد تسهّل إيذاء النفس.
ويقدّم قانون المعاملات الإلكترونية والبيانات ذات الطابع الشخصي رقم 81/2018 قاعدة مبدئية مهمة، إذ ينص في مادته الثانية على أن تكنولوجيا المعلومات هي في خدمة كل شخص، شرط ألا تمس هويته الفردية أو حقوقه أو حياته الخاصة أو الحريات الفردية أو العامة. هذه العبارة يمكن أن تشكل قانونياً لأي مقاربة لبنانية مستقبلية لتنظيم الذكاء الاصطناعي، لأن التكنولوجيا لا تُترك حرة عندما تتحول إلى خطر على الكرامة والحياة والسلامة.
كما أن القانون نفسه يعترف بالقيمة الثبوتية للكتابة والسند الإلكتروني متى أمكن تحديد مصدره وحفظه بطريقة تضمن سلامته، ويجيز للقاضي الاستعانة بالآثار الإلكترونية والخبرة الفنية عند منازعة السند أو التوقيع الإلكتروني. وهذا مهم جداً في قضايا الذكاء الاصطناعي، لأن الإثبات يقوم على سجلات محادثات، بيانات دخول، محفوظات خوادم، لقطات شاشة، ملفات تقنية، وسلاسل رقمية يجب التحقق من سلامتها وعدم التلاعب بها.
غير أن الإطار اللبناني الحالي غير كافٍ. فلبنان لا يملك حتى الآن قانوناً خاصاً ينظم الذكاء الاصطناعي، ولا قواعد واضحة حول مسؤولية مطوّري النماذج، ولا واجبات إلزامية خاصة بحماية القاصرين من روبوتات المحادثة، ولا آليات رقابية تفرض على الشركات اختبار أنظمتها نفسياً قبل طرحها للجمهور. وهذا الفراغ يجعل القاضي مضطراً إلى استخدام قواعد عامة في المسؤولية المدنية والجزائية وحماية البيانات، وهي قواعد مفيدة لكنها غير مصممة أصلاً لمخاطر الخوارزميات التفاعلية.
الخلاصة أن الذكاء الاصطناعي لا ينتحر ولا يقتل، لكنه قد يرافق الإنسان الضعيف إلى حافة الهاوية إذا تُرك بلا ضوابط. والقانون لا يجب أن ينتظر الكارثة حتى يتحرك. فكما نظّم القانون مسؤولية الطبيب، والناشر، ومقدم الخدمة، يجب أن ينتقل اليوم إلى تنظيم مسؤولية مصمم الخوارزمية ومشغّلها. لأن الخطر الجديد لا يأتي دائماً من إنسان يحرّض إنساناً، بل قد يأتي من نظام مصمم لكي يتكلم كإنسان، ويتقرب كصديق، ويؤثر كسلطة، من دون أن يملك ضميراً أو مسؤولية أخلاقية.
وفي قضايا الانتحار، لا تكفي عبارة “النظام أخطأ”. السؤال القانوني الأعمق هو: من سمح لهذا النظام أن يخاطب إنساناً هشاً بهذه الطريقة؟ ومن أهمل وضع الحواجز عندما كانت حياة المستخدم على المحك؟ هنا تبدأ المسؤولية.




