كلٌّ يؤيِّدُ رأيَه، يا ليتَ شعري ما الصحيح؟”

المصدر: “صحيفة النهار – الوزير محمد وسام المرتضى” تتهافتُ الأحداثُ والأوطان في هذا الشرق الأوسط الذي تتشابكُ في دروبِه الضيقةِ دياناتٌ ومذاهبُ وأعراقٌ وأنظمة ومصالحُ ومشاريع، لا يذهبُ أيٌّ منها في حالِ سبيلِه، بل في سُبُلِ الآخرين وحقوقِهم والمصائر.
وتتضارب قراءاتُ الأمم والأفراد في شأن ما حصل ويحصل، حتى كأنّنا في ما يشبه ضجّة اللاذقية التي قال فيها المعرّي: “كلٌّ يؤيِّدُ رأيَه، يا ليتَ شعري ما الصحيح؟” فهذا يعزو سبب المشكلة إلى العدوّ الصهيوني، وذاك إلى “المشروع الإيراني”، وذلك إلى الدور التركي، أو الغياب العربي، أو المصالح الأميركية أو سوى ذلك؛ فكيف لنا في لبنان، الملتقى الذي حاول برسالةِ وجوده أن يجمع المتناقضات إلى اتحادٍ واحد، أن نتوحَّدَ على قراءةٍ لما يجري بيننا وحولنا، لا تحملُ في معانيها سوى لونِ البياضِ الذي منه سُكَّ اسمُ وطنِنا عملةً نادرةً في هذا الكون، لا سبيلَ إلى تزييفِها؟ أبدأ أوّلاً بوجوب الاعتراف بأنّ المخاطر الخارجية التي تكتنفنا لم تعد خافيةً على ذي بصرٍ وبصيرة.
فالدمُ المهراقُ منذ ثلاثة أرباع القرن، إن لم يكن أيقظَ فينا كلَّ غفلةٍ، فأحرى بالموتِ المستشري في بلادِنا منذ سنةٍ وبضعِها، أن يفعلَ ذلك. وأوّل الاعتراف المرجوِّ أن إسرائيلَ هي العدوُّ الأوحد للبنان ولجميع اللبنانيين الذي لن يقرَّ له قرار حتى يقضي على صيغة العيش الواحد المناقضة لصيغة الصهاينة العنصرية المقيتة تمهيداً ليُمعن بعد ذلك تفتيتاً في هذا المشرقَ طوائفَ وفئاتٍ يبرّرُ وجودُها وجودَه.
فالأطماعُ الإسرائيلية في احتلال الأرض اللبنانية أُعلِنَت وتُعلَنُ كلَّ حين، لكنَّ الأطماع الحقيقية لهذا الكيان تتجاوزُ طبيعةَ الجغرافيا إلى طبيعة الحياةِ التي عاشَها الشرقُ منذ مئات السنين، حياةً كان اليهود كجماعةٍ إيمانيةٍ جزءاً منها بلا ريب. أما اليوم فعنصريتهم لا تأمن الإقامةَ بجانبِ السماحة اللبنانية، ولا الحربُ في ديارِ السلام.
من هنا وجب اليقينُ بأن مناهضةَ هذا المشروع التفتيتي سبب حتميٌّ لتحقّق قدرتنا على البقاء فاعلين في الحاضر والمستقبل. وإن كان ما حدثَ في سوريا شأناً داخليّاً، وهو كذلك، فلا ينبغي البتة إهمال المسبّبات والتداعيات الإقليمية والدولية التي واكبت ما جرى، حتى استفادت منه إسرائيل بتدمير ما بقي من المقدّرات العسكرية السورية، وصولاً إلى ارتقاء قمّة جبل الشيخ والتوغّل أكثر في الجولان المحتل وما بعده على الطريق إلى دمشق.
وأما ثانياً فينبغي الإقرار بأن لا شيءَ في هذا العالم أمرٌ داخليٌّ بحت.حتى انتخاب رئيس أميركي له تأثيراتُه المباشرة على أقصى بقعةٍ من بقاع الأرض، فكيف لشأنٍ يقيم بين ظهرانينا، أو على مرمى نظراتِنا أن يتركَنا بمأمن من عواقبه؟ ما يحصلُ في سوريا له انعكاساتُه الحتمية على المنطقةِ بأسرِها، ولا سيما على لبنان.
وهذا يفرض علينا أن نعمل على اتّقاء العواصف التي قد تهبُّ من جرّاء التغيّرات السورية، مع التأكيد أنّ للشعب السوري وحده أن يُقرّر شكل نظامه ودستوره ومسار علاقاتِه الدولية والداخلية، وفقاً لما يرى فيه مصلحته، على ضوءِ اصطراع المصالح العالمية في أرضه وعلى حدوده.وأما نحن اللبنانيين، فعلينا دائماً أن نتحسَّسَ الأخطار التي قد تردُ من الخارج، وتعيثُ فينا شرذمةً وخلافات.في الحرب الأهليّة المشؤومة سادت مقولة معروفة: “حرب الآخرين على أرضِنا”.
وإن كنا نحن فعلاً من أوقد النار في وطننا، بانقساماتنا المعهودة، فمن حقّ جميع المواطنين الآن أن يطالبوا قياداتِهم السياسية بأن يتركوا حرب الآخرين هناك في أرضِ الآخرين، ويتصدّوا فقط بالسياسة والثقافة والقانون والسلاح، لأيّ عدوانٍ يلجُ حدودَنا، وفي الطليعة العدوان الإسرائيلي الذي لم يتوقف رغم ما يُسمّى وقف إطلاق النار.
من حقّ المواطنين أن يرتفعَ بين السياسيين صوتُ الوحدة الوطنية الذي يُقدّم سلامةَ لبنان ووحدةَ شعبه ومؤسّساته وترابه، على كل هوىً انفصالي.
من حقّ المواطنين أن يُؤمنَ أهلُ السياسة بأنّ الشعب جسدٌ واحد إنْ قوي منه عضوٌ تشدّدت سائر الأعضاء، أو مرضَ منه عضوٌ تداعى له الجسدُ كلّه بالسهر والحمّى.
من حقّ المواطنين أن يقرأَ القادةُ الأحداث بلغةٍ واحدة، حروفُها التلاقي الوطني في حضنِ عيشٍ واحد يحفظ معنى وجود لبنان.




