السيّدة سوريا..


زياد الصوفي- واشنطن..
لم يكن أخطر ما فعله النظام هو السجن أو القتل أو القمع ، الأخطر كان ما فعله في الروح.
ذلك الشرخ الخفي الذي زرعه بين أبناء سوريا، حين علّم كل مدينة أن تنظر إلى أختها بعين الريبة، وأن ترى في الريف خصماً، وفي الجبل غريباً، وفي الساحل استثناءً، وفي الشرق هامشاً، وفي الجنوب عالماً معزولاً عن بقية الجسد.
علّم حلب أن تتوجّس من دمشق، وقال لدمشق إن أهل اللاذقية أقرب إليه من أهلها.
رسم للاذقية صورة المدينة التي لا تشبه أحداً، لا لأن ذلك حقيقي، بل لأن العزلة هي أسهل الطرق لصناعة الولاء الأعمى.
أخذ من حلب صوتها وصنعتها، ومن دمشق روحها وحضارتها، ومن اللاذقية بحرها وفرحها.
وفعل الأمر نفسه مع حمص، حين همس في أذنها أنها “مدينة المشاكل”.
وجرّد حماة من صوت نواعيرها، ومنع عنها الكلام، حتى غدت مدينة تبحث عن همسها.
وتعامل مع دير الزور، لا كنصف وطن ممتد على الفرات، بل كمنطقة بعيدة تضيع خارج الخريطة إلا حين يريد مواردها.
حشر الرقة في إطار ضيّق، مدينة بلا وجه، بلا تاريخ، بلا هوية، هامش يجوز التضحية به متى شاء.
و الحسكة، فلم يرى فيها غنى، بل رقعة يُضعف نسيجها يوم بعد يوم لتنشغل بصراعات صغيرة، كي لا تتذكر أنها تستطيع أن تكون إحدى أهم قلاع البلاد.
وإدلب، المدينة التي حوّلها إلى نقطة سوداء على الخريطة، إلى بقعة خارجة عن السياق..
والسويداء،التي أرادها هادئة دائماً ، بعزلتها لا بانتمائها، وبولائها لا بكرامتها.
و درعا، أراد لها أن تبقى طرفاً، بلدة صغيرة على حافة الوطن، مع أنها كانت وستظل القلب الذي خفق أول مرة حين خمدت القلوب كلها..
وهكذا، قطعة بعد قطعة، لم يكتفي النظام بتقسيم سوريا جغرافياً، بل قسّمها نفسياً وعاطفياً وثقافياً، وكأن كل محافظة يجب أن تحمل لون واحد، ولغة واحدة، وولاء واحد ، هوية ممسوخة لا تشبه ما كانت عليه، ولا ما يجب أن تكون عليه.
لكن الحقيقة كانت في مكان آخر:
سوريا لم تكن يوماً مدناً وقرى، بل جسد واحد، متى ما جاع عضو جاعت البلاد كلّها، ومتى ما تأذّى طرف اهتزّ له القلب في صدر هذا الوطن الكبير.
فدمشق القلب ،الذي ينبض بالذاكرة والقداسة والجمال.
وحلب العقل، في صلابة الصناعة وذكاء التجارة وعمارة الأسواق.
واللاذقية الرئتان، الهواء الذي لا يعيش الجسد من دونه.
وحمص المعدة ، التي تهضم الألم قبل الخبز.
ودرعا الذراع التي امتدت أولًا لتقرع باب الحرية.
ودير الزور والرقة الشرايين الطويلة العميقة التي تحمل الخير والقمح.
وحماة العضلة التي تشدّ بوصلة الجسد كي لا يتبعثر.
أمّا إدلب، فهي العين المفتوحة التي لا تنام…
كل مدينة تقوم بوظيفتها كي يبقى الجسد حيّ، إلى أن توقّف عن التنفّس، ودخلت السيدة سوريا في موت سريري طويل…
سنوات طويلة بلا نبض، بلا دم، بلا جهاز يعيد وصل الأعضاء ببعضها.
جسد مُلقى على سرير التاريخ، بينما كان الشامتون من حوله يتهيّأون لكتابة شهادة وفاته..
إلى أن جاء كانون الماضي…
لا كفصل من فصول السنة، بل كطبيب يدخل غرفة الإنعاش وهو يحمل جهاز الصدمة الكهربائية.
وقف فوق هذا الجسد الطاهر، نادى باسمها مرة بعد مرة، ثم وضع القطبين على صدرها..
وضغط الزر…
ارتجّ الجسد، ارتفع الصدر الخامل ، وتحرّك الدم في العروق التي ذبلت لسنوات طويلة.
صدمة واحدة…
لكنها كانت كافية لتعيد للبلد نبضه الأول، ولتقول إن السيدة سوريا التي ظنّها الجميع انتهت ما زالت قادرة على النهوض من سرير الموت.
هذا الجسد الذي خاض الموت ثم عاد، لم يعد جسداً مريضاً ينتظر من ينقذه، بل جسد يتعافى، جسد تخلّص أخيراً من الخلايا السرطانية التي نهشت أعضاءه لسنوات طويلة.
ذلك السرطان الذي لم يكن ينمو في الجسد فحسب، بل كان يتغذّى على روحه، ويفسد ذاكرته، ويحاول إعادة تشكيله على صورته المشوّهة.
واليوم…
بعدما استُؤصِل الورم، بدأ الجسد يتهيأ لولادة أجيال جديدة، أجيال لم تعرف المناطقية ولا الفتنة ولا الخراب، أجيال تولد من أمٍّ استعادت صحتها، وعرفت أخيراً أن أبناءها مهما اختلفت مدنهم ولهجاتهم وطرق عيشهم ، ليسوا سوى خلايا سليمة لجسد واحد…
جسدٌ عاد ليحيا ، لا ليُدفَن..



