الفجر الجديد

لهم الحق في الحياة.. بشارة الأسمر :الحد الأدنى للأجور يجب ان يمثل الحد الأدنى لعيش كريم ولائق

تحقيق خاص الفجر الجديد

أجرت الحوار مديرة التحرير نعمات أكومه

العمال هم الركيزة الأساسية التي يقوم عليها اقتصاد أي أمة، وهم بحق “الجنود المجهولون” الذين تصنع على أكتافهم معجزات النهضة. 

انهم محرك الإنتاج الحقيقي فكل سلعة نستخدمها، وكل خدمة نستفيد منها، وكل بنية تحتية نراها، هي ثمرة جهد وعرق العمال، من عمال المصانع والمزارع إلى البنائين والفنيين، والصناعيين والمهندسين التنفيذيين، والموظفين الاداريين، ومن يخدمون في كافة ميادين العمل من التعليم الى التمريض الى الباعة في المتاجر وباقي قطاعات العمل والانتاج.

انهم عماد الاستقرار الاقتصادي حيث قوة العمل المنتجة هي التي تولد الثروة الحقيقية. إنتاجيتهم تحدد قدرة الدولة على المنافسة، ورواتبهم تشكل أساس القوة الشرائية التي تدير عجلة السوق المحلي.

انهم أصحاب التضحيات غير المرئية مثل الجنود في ساحات البناء والتشييد والتصنيع، يتعرض الكثيرون منهم لمخاطر وظروف عمل قاسية، ويبذلون ساعات طويلة، غالبا بعيدا عن الأضواء والتقدير الذي يحظى به آخرون.

هم حجر الزاوية في التنمية المستدامة اذ لا يمكن لأي وطن أن ينهض تنمويا دون استثمار حقيقي في كرامة العامل، وتأهيله، وتوفير بيئة عمل آمنة وعادلة له، وضمان حقوقه.

انهم نسيج المجتمع المتين فهم يشكلون الغالبية العظمى من أي مجتمع، واستقرارهم المعيشي ورفاهيتهم هما أساس الاستقرار الاجتماعي والسلم الأهلي.

لقد نصت الشرعة الدولية لحقوق الإنسان المحمية بعدة مواثيق دولية، أبرزها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948) والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (1966)، بالإضافة إلى معايير منظمة العمل الدولية (ILO). على ما يلي:

– الحق في العمل والمساواة اي الحق في العمل بظروف عادلة دون تمييز (عرق، جنس، دين، إلخ)، وتكافؤ الفرص في التوظيف والترقية.  

– الحق في أجور عادلة اي ضمان أجر يُحقق مستوى معيشيا لائقا للعامل وأسرته، والمساواة في الأجر عن العمل المتساوي القيمة 

– ظروف عمل آمنة وصحية اي توفير بيئة عمل خالية من المخاطر، والحماية من العمل القسري أو الخطير (خاصة للأطفال والنساء).  

– الحق في التنظيم النقابي والمفاوضة الجماعية  اي حرية تكوين النقابات أو الانضمام إليها، والحق في الإضراب والمفاوضة الجماعية.  

– الحماية من البطالة والفصل التعسفي اي ضمان شبكات أمان اجتماعي (تعويض بطالة، إعانات)، ومنع الفصل غير المبرر. 

– أوقات العمل المعقولة والراحة  اي تحديد ساعات العمل المعقولة، والحق في إجازات مدفوعة الأجر.  

– حماية الفئات الضعيفة مثل العمال المهاجرين (اتفاقية حماية حقوق جميع العمال المهاجرين 1990) والنساء (اتفاقية القضاء على التمييز ضد المرأة – سيداو).  

ان اليد العاملة هي الجهد البشري الذي يقود اي مجتمع واي بلد نحو النماء. يعتبر شمال لبنان  الخزان البشري لليد العاملة في كل لبنان، وبما ان لبنان ليس بلد تكنولوجي وصناعي بالدرجة الاولى لذلك فهو يعتمد على اليد العاملة الداخلية والخارجية من الدول المتاخمة له جغرافيا.

واذا بحثنا في عمال المصانع والزراعة ومحطات الوقود والمؤسسات السياحية في كل لبنان نجد انه هناك امتداد بشري من الشمال باتجاه كل لبنان، فالشمال هو من يرفد كافة القطاعات بالقوى العاملة وهو ما يحب ان يجعل منه المنطقة الأكثر نموا وازدهارا في البلاد، ولكن بما ان العمال لا يحصلون على العدالة الاجتماعية والمالية الكافية لذلك يبقى الشمال ضمن الدائرة الاكثر حرمانا وتبقى الطبقة العاملة ضمن الفئات المهمشة التي لا تستطيع ان تقود المنطقة والبلد ككل الى النماء، الا اذا تم تطبيق اتفاقيات حقوق العمال على الاراضي اللبنانية، وتبني سياسة اقتصادية جديدة للدولة، تعمل على تخفيض التكاليف الانتاجية مثل اسعار الكهرباء والمواصلات ما يوفر لمؤسسات القطاع الخاص هامشا من الربح يسمح برفع الاجور ويحقق الالتزام بحقوق العمال ومد الشريان الاقتصادي بطاقة تخوله بتحريك الاموال لزيادة القدرة الشرائية وبذلك تبدأ طريق الانماء وصولا الى الكفاية.

مؤخرا أصدرت الحكومة اللبنانية مرسوما يقضي برفع الحد الأدنى للأجور في القطاع الخاص الى 28 مليون ليرة لبنانية اي ما يعادل حوالي 310 دولار اميركي هذه الزيادة التي لاتكفي اي عامل او موظف ليعيش بكرامة او يستوفي كافة متطلبات حياته الأساسية  فعلى ماذا اعتمدت الحكومة في تحديد هذا الرقم ؟

الفجر الجديد التقت رئيس الاتحاد العمالي في لبنان الاستاذ بشارة الأسمر  واجرت معه الحوار التالي

برأيكم كاتحاد عمالي هل تعتبرون الزيادة عادلة وتفي بمتطلبات العمال الحياتية ؟

بالنسبة للحد الأدنى للأجور هو طبعا غير كافي، لأنه من المفترض ان يمثل الحد الأدنى لعيش كريم ولائق وهذا لا يتحقق ب 28 مليون ليرة لبنانية، هذا الرقم عرض في لجنة المؤشر التي كنا حاضرين فيها ولم نوافق عليه وخرجنا من الاجتماع اذ ان هذا الرقم في ظل الضائقة الاقتصادية والظروف الصعبة التي نعيشها لا يفي بأبسط الحاجيات الضرورية فالحد الأدنى  يجب ان يكون قائما على مقومات اهمها السكن، الطبابة، الاستشفاء، المدارس، الاتصالات، النقل، السلة الغذائية، وهو ما يجب ان يكون بمتناول العامل حتى نقول الحد الأدنى وبالتالي هذا الرقم لا يفي بكل هذه المتطلبات حتى متممات الأجر اي النقل والمنح المدرسية والتعويضات العائلية لا يمكن ان تكون كافية مع هكذا حد أدنى في ظل الغلاء الفاحش والتفلت من الرقابة لذلك مطلوب تصحيح هذا الرقم وان يترافق مع غلاء معيشة لان رفع الادنى للأجر لم يراع الغلاء على الشطور اي ان من كان يتقاضى 18 مليون اصبح يتقاضى 28 مليون ولكن من يتقاضى 28 مليون لم تلحظ له اية زيادة وهذا لا يراعي اية عدالة بين الموظفين خاصة في الشركات التي يجلس فيها الموظفون متجاورين حيث يضرب هذا مبدأ التراتبية الادارية والوظيفية، وفي حين احتج اصحاب العمل انه يمكن زيادة غلاء معيشة في بيروت وجبل لبنان انما في باقي المحافظات الشمال والجنوب وعكار فان الظروف الاقتصادية والأمنية لا تسمح بأي زيادة على الرواتب علما ان ارقام التجارة والتبادل التجاري والتصدير هي في تصاعد مستمر، انما يلجأ ارباب العمل الى كسر اليد عندما يتعلق الأمر بزيادة راتب لعامل أو موظف وهنا لا بد لي من الاشارة للقطاع المصرفي حيث ان كل ما يعطى من زيادات تحت مسمى مساعدات اجتماعية لا يدخل في صلب الراتب وهذه كارثة بالنسبة لموظفي هذا القطاع الذي يشمل حوالي 24000 موظف.

ما هي السياسة الاقتصادية التي يجب ان تعتمدها الدولة للحفاظ على حقوق العمال وحقوق ارباب العمل ؟ 

فعليا لاتوجد سياسة اقتصادية واضحة في لبنان بل هناك سياسة ردة فعل على الفعل الواقعي  اي هناك قرارات يومية بناء لتقلبات واحداث مستمرة لذلك يجب على الدولة ان تحدد سياسات اقتصادية آنية ومتوسطة الأجل قائمة أولا على مكأفحة الفساد، مراقبة الأسواق التجارية، ومحاولة سن قوانين تفي بالغرض في هذه المرحلة واهمها القوانين المصرفية التي تعيد تنشيط الحركة المصرفية وان يكون هناك سياسة اسكانية واضحة اذ ان الايجارات عالية وكل هذه العوامل ممكن ان تساهم في تنشيط الحركة الاقتصادية ومساهمة الدولة بحدها الكافي لتوفي العامل حقه. 

كذلك يجب ان لا ننسى مكافحة التهريب اذ يوجد لدينا اقتصاد اسود رديف، وهناك اناس يؤدون واجباتهم بدفع الضرائب في حين يوجد الكثير من المتهربين من اصحاب العمل الذين لا يدفعون متوجباتهم من الضرائب ومن المستحقات للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي  وهذا عامل مهم جدا.

 على الدولة ان تحفز المؤسسات الضامنة مثل تعاونية موظفي الدولة والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي اذ ان هذه الأمور تتم معالجتها بردات فعل ولكن حتى نكون عادلين يجب ان نذكر ان الوضع الأمني المستجد والمتحرك والتجاذبات السياسية والطائفية والمذهبية لا تساعد على ارساء قواعد اقتصادية واضحة وقيام دولة عادلة تسودها الحوكمة الرشيدة.

برأيكم هل تؤثر العمالة الأجنبية لا سيما العمالة السورية والعمالة الغير شرعية على العمال اللبنانيين وحقوقهم؟

نعم تؤثر العمالة الأجنبية بشكل أو بآخر اذ يوجد لدينا حوالي 200 الف عامل باجازات عمل يساهمون باخراج العملة الصعبة من لبنان وهي تأخذ الفرص من امام العمالة اللبنانية هذا في ما يخص العمالة المنظمة.

اما العمالة السورية وهي عمالة غير منظمة بمئات الآلاف وهي رخيصة مقارنة باليد العاملة اللبنانية مما يجعل ارباب العمل يلجأون اليها فهي ايضا تؤثر ايضا سلبا.

العمالة الأجنبية سواء كانت سورية أو آسيوية أو عربية هي غير مدروسة في لبنان والوجود السوري في لبنان هو خارج اطارنا وهو ناتج عن واقع أمني و سياسي ونحن لسنا مسؤولين عنه ومعالجته ليست بالأمر السهل.

يبقى ان تنظيم العمالة الآسيوية والعربية يجب ان تكون مبنية على دراسات عن حاجة سوق العمل وان يكون هناك رادع لمن يقومون بأساليب ملتوية لاستقدام هذه العمالة وانا اشكر وزارة العمل على التشدد مؤخرا في منح اجازات العمل وادعوها للتقيد بالقوانين ويبقى تنظيم العمالة الأجنبية حاجة ملحة في حين ان لا طاقة للدولة لمعالجة موضوع العمالة السورية في المستقبل القريب فالعمل في ظل عدم وجود مخططات مستقبلية ودراسات واعية للوقائع يبقى في مجال ردود الفعل وهو ما لا يبشر بالخير.

اذن الدولة مطالبة بتغيير سياساتها الاقتصادية والاجتماعية خدمة لها وللموظف في آن معا.

حقوق العمال جزء أساسي من شرعة حقوق الإنسان، لكن تطبيقها الفعلي يتطلب ضغطًا نقابيا وقوانين رادعة وسياسة اقتصادية واضحة.

تقدير العمال ليس مجرد شعار، بل هو استثمار في عمود الاقتصاد الفقري للأمة، والنهضة الحقيقية تُبنى عندما يُنظر إلى العامل ليس كرقم إنتاجي فقط، بل كشريك أساسي في التنمية، يُكرم جهده، ويُحفظ حقه، ويُضمن مستقبله ومستقبل أسرته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى