“الجيل المضطرب”: ترجمةٌ تُحاكي وجعَ الواقعِ وتدقُّ جرسَ الإنذارِ التربويِّ طرابلس – لبنان

بقلم سمرقرة
في قلبِ طرابلسَ، وعلى خشبةِ مركزِ الصفديِّ الثقافيِّ، كانَ الجمهورُ على موعدٍ معَ حدثٍ فكريٍّ وأدبيٍّ فارقٍ؛ تمثّلَ في إطلاقِ **الترجمةِ العربيةِ** لكتابِ “الجيلِ المضطربِ” (The Anxious Generation) للمفكرِ الأميركيِّ الشهيرِ جوناثان هايدت، الصادرِ حديثًا عن “الدارِ العربيةِ للعلومِ ناشرون”، بعدَ أنْ قامتْ الباحثةُ والمترجمةُ اللبنانيةُ الدكتورةُ عائشةُ يكن بترجمتهِ بلغةٍ عربيةٍ رصينةٍ.
وتحت عنوان يطرق باب الحكمة و بينَ سطورِ التحذيرِ لطفولةٌ أسيرةُ الشاشاتِ..يصلُ الكتابُ الذي أثارَ جدلاً واسعاً في الأوساطِ التربويةِ والاجتماعيةِ الغربيةِ، إلى القارئِ العربيِّ حاملاً تحذيراً صريحاً من التحولاتِ الجذريةِ التي طرأتْ على الطفولةِ والمراهقةِ خلالَ العقدينِ الأخيرينِ.
يُشيرُ هايدت بوضوحٍ إلى أنَّ الطفولةَ لم تعدْ كما عرفناها، قائمةً على اللعبِ الحرِّ والتجاربِ الواقعيةِ، بل أضحتْ أسيرةَ الشاشاتِ والأجهزةِ الذكيةِ. ويصفُ هذا التحوّلَ بـ”الزلزالِ الاجتماعيِّ”، لِما لهُ من أثرٍ بالغٍ على بنيةِ النشأةِ النفسيةِ والاجتماعيةِ لجيلِ “iGen”؛ الجيلِ الذي تربّى في حضنِ الإنترنتِ ومواقعِ التواصلِ.
تُكشفُ فصولُ الكتابِ عن ارتفاعٍ مقلقٍ في نِسَبِ القلقِ، والاكتئابِ، ومحاولاتِ الانتحارِ بينَ المراهقينَ، منذُ العامِ 2012، خاصةً بينَ الفتياتِ. ويُرجعُ ذلكَ إلى الإفراطِ في استخدامِ المنصاتِ الرقميةِ، مما يضعُ الأسرةَ، والمدرسةَ، والمؤسساتِ التربويةَ أمامَ تحدي غيرِ مسبوق يستدعي تدخلاً عاجلاً وفهماً عميقاً لجذورِ الأزمةِ.
خلالَ الندوةِ، تحدّثتْ الدكتورةُ يكن عن تجربتِها الشخصيةِ في ترجمةِ الكتابِ، مؤكدةً أنَّ العملَ لم يكنْ مجردَ تمرينٍ لغويٍّ، بل تجربةً فكريةً وإنسانيةً شكّلتْ نقطةَ تحوّلٍ في مسيرتِها وعبّرتْ عن ذلكَ قائلةً: “رغمَ أنني ترجمتُ 16 كتابًا حتى اليومَ، فإنَّ هذا العملَ هوَ الوحيدُ الذي دفعني إلى التكلّمِ عنهُ. خلالَ ترجمتِهِ، شعرتُ أنني أعيشُ بينَ صفحاتِهِ، أبدأُ يومي بمفاهيمِهِ ومصطلحاتِهِ، وأنهيهِ بالتفكيرِ فيما يعنيهِ لكلِّ من حولي.”وأشارتْ إلى أنها كانتْ تقضي قرابةَ 15 ساعةً يوميًا في العملِ على الترجمةِ، غارقةً في عمقِ المفاهيمِ والمصطلحاتِ، باستثناءِ رياضةِ المشيِ الصباحيةِ التي خصّصتْها لمشاركةِ الأفكارِ معَ الأصدقاءِ من مختلفِ الأعمارِ. وأضافتْ: “لفتني حجمُ التفاعلِ الذي لقيتهُ هذهِ الأفكارُ من الأمهاتِ، والآباءِ، والتربويينَ، لأنَّ هذا الكتابَ يلامسُ وجعاً حقيقياً نعيشُهُ يوميًا.
ولم تغفلِ الدكتورةُ يكن عن شكرِ من واكبها في هذهِ الرحلةِ الفكريةِ، فعبّرتْ عن امتنانها للأستاذة فرح يكن من قسمِ اللغةِ العربيةِ التي ساعدتها في دقةِ المصطلحاتِ العلميةِ، كما وجّهتْ تحيةَ تقديرٍ لزوجها عبدِ المجيدِ حداد، الذي كانَ أولَ قارئٍ ومُراجعٍ للنصِّ، وساهمَ في جعلِ الترجمةِ أكثرَ سلاسةً وقربًا من القارئِ العربيِّ.
ولم تقتصرِ الندوةُ على عرضِ مضامينِ الكتابِ، بل تحوّلتْ إلى مساحةٍ حيّةٍ للاستيعابِ والبناءِ، حيثُ تلقّفَ الحضورُ بامتنانٍ الأفكارَ حولَ سُبلِ مرافقةِ الجيلِ الجديدِ في ظلِّ الانفجارِ الرقميِّ. كانتْ النقاشاتُ بعيدةً عن الوعظِ التقليديِّ، مُركّزةً على تبنّي استراتيجياتٍ تربويةٍ حديثةٍ تتماشى معَ طبيعةِ العصرِ وتعقيداتِهِ.
ففي الوقت الذي تُختصرُ فيهِ الطفولةُ بمقاطعِ “تيك توك”، وتُبنى فيهِ الهويةُ الرقميةُ قبلَ أنْ تتشكّلَ الشخصيةُ الواقعيةُ، يبدو “الجيلُ المضطربُ” أكثرَ من مجردِ كتابٍ… إنهُ نداءُ مراجعةٍ شاملةٍ، ودعوةٌ لإعادةِ صياغةِ العلاقةِ بينَ الإنسانِ والتكنولوجيا، بدءاً من البيتِ، مرورًا بالمدرسةِ، ووصولاً إلى المجتمعِ ككلٍّ.





