الفجر الجديدخاص الفجر الجديد

أزمة المياه


بقلم: باسل هيثم كبارة


تُعدّ أزمة المياه من أخطر الأزمات التي تواجه لبنان اليوم، وتتجلّى بشكل واضح ومقلق في مدينة طرابلس، حيث لم تعد هذه المشكلة عابرة أو موسمية، بل تحوّلت إلى أزمة مزمنة تهدد الأمن الصحي والاقتصادي والبيئي على حدّ سواء. وتعود جذور هذه الأزمة بشكل أساسي إلى سوء الإدارة الطويل الأمد لقطاع المياه، وغياب الخطط الاستراتيجية الفعّالة، وتراجع الاستثمار في الصيانة والتطوير، ما أدى إلى هدر كميات كبيرة من الموارد المائية المتاحة.
وقد تفاقمت هذه الأزمة بشكل ملحوظ نتيجة التغير المناخي، الذي أسهم في انخفاض معدلات الأمطار وازدياد موجات الجفاف، إضافة إلى الارتفاع المتزايد في درجات الحرارة. كل ذلك انعكس مباشرة على قدرة المصادر الطبيعية على تجديد نفسها، الأمر الذي دفع العديد من المواطنين، ولا سيما في طرابلس، إلى الاعتماد على شراء المياه من الصهاريج الخاصة بأسعار مرتفعة، ما شكّل عبئًا إضافيًا على الأسر في ظل الأوضاع المعيشية الصعبة.
ولا يقتصر خطر أزمة المياه في لبنان، وطرابلس تحديدًا، على الشحّ فقط، بل يمتد إلى التلوث أيضًا. فتلويث الأنهار والمجاري المائية بمياه الصرف الصحي غير المعالجة، كما هو الحال في نهر أبو علي، يُعدّ من أخطر التحديات البيئية، إذ يؤدي إلى تدهور نوعية المياه وانتشار الأمراض، ويشكّل تهديدًا مباشرًا للصحة العامة وللنظم البيئية المحيطة. إن استمرار هذا الواقع يعمّق الأزمة ويجعل آثارها أكثر قسوة على الإنسان والطبيعة معًا.
أما على صعيد الحلول، فلا بد من اعتماد رؤية شاملة ومستدامة تبدأ بالاستثمار الجاد في بنية تحتية حديثة قادرة على تخزين المياه بكفاءة، وتحسين شبكات توزيعها، إضافة إلى إنشاء وتطوير محطات معالجة الصرف الصحي وفق المعايير البيئية المعتمدة. كما يبرز دور الحكومة اللبنانية بوصفها عنصرًا محوريًا في إدارة هذا الملف، من خلال تفعيل الرقابة، وتطبيق القوانين البيئية بصرامة، وضمان حسن تنفيذ السياسات المائية.
إلى جانب ذلك، تبقى مواجهة الفساد الإداري شرطًا أساسيًا لأي إصلاح حقيقي، إذ إن الهدر وسوء الاستخدام يقوّضان أي جهود تنموية. ومن هنا، فإن العمل على ترسيخ الشفافية والمساءلة، وتأمين استدامة الموارد المائية للأجيال القادمة، يشكّل خطوة حاسمة نحو الخروج من هذه الأزمة وبناء مستقبل أكثر أمانًا واستقرارًا للبنان، ولطرابلس خصوصًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى