الفجر الجديد

لبنان تحت الضغط… وبرميل النفط يفجّر فتيل الأسعار!

لبنان تحت الضغط… وبرميل النفط يفجّر فتيل الأسعار!

بقلم لبنى عويضة

في الجغرافيا السياسية، تتحرّك الأسعار على إيقاع الصواريخ، وتُقاس مؤشرات السوق بعدد السفن العابرة بسلام. أما في لبنان، فكل هذه المعادلات تُترجم إلى معاناة يومية تُقاس بعدد الشموع المشتعلة في المنازل، أو بعدد الوجبات التي اختفت من على الموائد… ففي بلد لا يملك مظلة ردع اقتصادي، يتحوّل سعر برميل النفط إلى بندقية موجهة إلى صدر كل مواطن.

مع كل تصعيد في الشرق الأوسط، وكل توتر يطال مضيق هرمز أو البحر الأحمر، يتداعى الاقتصاد اللبناني قبل أن تسقط أول قذيفة. ليس لأن لبنان في قلب الاشتباك، بل لأنه على هامش النظام الدولي، بلا تخطيط، وبلا قدرة على التحوّط. من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال، يشعر الناس بثقل الحرب قبل أن يسمعوا هديرها.

في خضم التصعيد المتواصل بين إيران وإسرائيل، ترتفع أسعار النفط عالميًا بوتيرة يومية، وقد بلغ سعر البرميل حتى اللحظة 75.19 دولارًا، وسط توقعات بوصوله إلى 80 دولارًا في المدى القريب. هذا الواقع ينعكس على الأسواق الإقليمية بسيناريوهات مفتوحة على احتمالات أمنية واقتصادية شديدة التعقيد. غير أن ارتدادات هذا التصعيد لا تتوزّع بالتساوي بين الدول؛ فبينما تمتلك بعض الاقتصادات أدوات التحوّط والإدارة الطارئة، يواجه لبنان تداعيات الحرب من موقع هش، بلا حماية استراتيجية، ولا رؤية متماسكة.

يشكّل سعر برميل النفط اليوم أحد أبرز مؤشرات الضغط على الاقتصاد اللبناني، حيث يؤدي كل ارتفاع إلى تضخّم فاتورة استيراد الطاقة، وارتفاع كلفة الإنتاج والاستهلاك في مختلف القطاعات. وهو ما يُترجم فورًا في أسعار المحروقات، فواتير الكهرباء، تكاليف النقل، وصولًا إلى أسعار السلع الغذائية.

في ظل هذا الواقع، يجد اللبناني نفسه أمام سلسلة ارتدادات متتالية على واقعه المعيشي. فبرميل النفط، الذي اقترب من 80 دولارًا بعد أن كان دون 70، لا يعني فقط زيادة على صفيحتي البنزين والمازوت، بل يشكّل عامل ضغط مباشر ينعكس على فواتير الكهرباء، وأسعار مختلف السلع والخدمات. إذ تعتمد معظم مرافق الإنتاج، ولا سيما المصانع والمحال التجارية، على المولدات الخاصة التي تُسعَّر استنادًا إلى أسعار المازوت في السوق المحلية. ومع كل تقلب في الأسواق العالمية، تتقلّب معه حياة اللبنانيين الذين يدفعون الثمن مرتين: مرّة عند مضخة الوقود، ومرّة أخرى مع كل سلعة تصلهم وقد استُهلكت على طول سلسلة لوجستية تبتلع الطاقة.

أما على مستوى الإمدادات، فتتخذ الأزمة أبعادًا أكثر خطورة في حال طال أمد الحرب أو امتدت إلى باب المندب، ما قد يؤدي إلى تعديل مسارات الشحن وارتفاع مدة الوصول إلى لبنان لتصل في بعض الحالات إلى ثلاثة أسابيع. هذا التأخير لا يهدّد فقط وتيرة التوريد، بل يرفع أيضًا كلفة التأمين البحري وسط مناخ إقليمي مضطرب، ما يعزّز بدوره الضغوط التصاعدية على أسعار النفط العالمية.

وعلى الرغم من أن بعض الشركات المستوردة بدأت بزيادة مخزونها تحسّبًا لأي طارئ، فإن غياب الخطط الحكومية البديلة يجعل من أي اختلال في سلسلة الإمداد مدخلًا لأزمة شاملة تبدأ بالمحروقات ولا تنتهي عند المواد الغذائية. وفيما تُسجَّل محاضر ضبط بحق بعض المخالفين، يبقى السوق مكشوفًا أمام الاحتكار، والمواطن أعزل في وجه اقتصاد طارئ بلا بنية طوارئ.

محليًا، لا يقتصر التأثر على الجانب المالي، بل يشمل أيضًا أمن الإمدادات. فلبنان يعتمد كليًا على الاستيراد البحري لتأمين حاجاته من الوقود، ما يجعل أي تهديد للممرات البحرية — كمضيق هرمز أو باب المندب — مصدر قلق حقيقي. وتشير مصادر في وزارة الاقتصاد إلى أن توسع رقعة التصعيد قد يفرض على ناقلات النفط تغيير مساراتها، ما يرفع كلفة التأمين، ويؤخّر وصول الشحنات بشكل كبير.

على الأرض، تتحوّل كل موجة توتر إلى حلقة جديدة من التضخم الزاحف. فالكهرباء، التي تُنتج جزئيًا عبر الفيول المستورد، تصبح أغلى مع كل قفزة في أسعار النفط. أما المولدات الخاصة، والتي يعتمد عليها اللبنانيون كبديل دائم للكهرباء الرسمية، فتسعّر الكيلوواط استنادًا إلى متوسط أسعار المازوت، ما يجعل فواتيرها ترتفع شهريًا. يُضاف إلى ذلك الارتفاع المتواصل في الكلفة التشغيلية للقطاعات الصناعية والتجارية، ما يترجم تلقائيًا إلى زيادات جديدة في أسعار المنتجات والخدمات.

ورغم بعض المبادرات المحدودة لتخزين المحروقات، فإن غياب خطة وطنية شاملة لإدارة الأزمات يفاقم المخاطر. فلا توجد سياسة واضحة لإدارة المخزون الاستراتيجي، ولا تنسيق فعّال بين الوزارات المعنية بالطاقة والاقتصاد والتجارة. وكل تأخير في وصول الشحنات يمكن أن يؤدي إلى اضطرابات شاملة تطال الخبز والدواء قبل أن تطال الوقود نفسه.

اللافت في هذا المشهد أن الدولة اللبنانية لا تزال تتعامل مع الأزمة وكأنها أزمة أسعار، لا أزمة أمن اقتصادي. وزارة الاقتصاد تمارس دورها الرقابي عبر تسجيل المخالفات، لكنها تفتقر إلى الأدوات السياسية والاقتصادية لاحتواء التضخم أو التخفيف من تداعياته. أما الإجراءات الحكومية الأخيرة، كرفع الضرائب على المحروقات، فلا تعالج جوهر المشكلة، بل تزيد الأعباء على المواطن من دون توفير أي بدائل أو حماية.

في المحصلة، يقف لبنان أمام أزمة مركبة: سوق بلا أدوات حماية، ودولة بلا خطة طوارئ، ومواطن بلا قدرة على الصمود. ومع تصاعد التوتر الإقليمي، يُطرح السؤال مجددًا: هل يمتلك لبنان القدرة على التحمّل إذا طالت الأزمة؟ أم أن كل موجة ارتفاع جديدة في أسعار النفط ستترجم تلقائيًا إلى تآكل في القدرة الشرائية وتعميق لحالة الانكماش؟

ما يتّضح حتى الآن أن غياب السياسات الوقائية وانعدام الرؤية الاقتصادية السيادية سيجعلان من أي تصعيد إقليمي عاملًا مباشرًا في تسريع الانهيار الداخلي. والكارثة ليست فقط في وتيرة الانهيار، بل في طبيعته الصامتة: انهيار لا يأتي دفعة واحدة، بل يُستهلك على مراحل… ببطء، وبلا مقاومة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى