من تجريف النقابات إلى تطييف المجتمع

د. زياد منصور
كاتب وباحث
لم تقتصر آثار النظام الطائفي في لبنان على تقاسم السلطة السياسية، بل تمددت تدريجيًا لتطال المجتمع بكل مؤسساته، حتى أصبح من الصعب العثور على مساحة عامة مستقلة لم تخضع، بدرجة أو بأخرى، لمنطق المحاصصة. وإذا كان اتفاق الطائف قد رسم الإطار الدستوري لإدارة مرحلة ما بعد الحرب الأهلية، فإن الممارسة السياسية ذهبت أبعد بكثير من نصوصه، فتحولت الطائفية من آلية لتقاسم السلطة إلى ثقافة تحكم تفاصيل الحياة العامة.
لم يكن هذا التحول وليد الصدفة، بل جاء نتيجة مسار طويل انتهجته الطبقة السياسية التي حكمت لبنان بعد انتهاء الحرب. فقد أدركت أن النقابات والجامعات والهيئات المهنية قادرة على إنتاج نخب مستقلة وصياغة رأي عام خارج وصايتها، فكان لا بد من احتوائها أو إضعافها أو تجريفها تدريجيًا، حتى فقدت كثير من هذه المؤسسات رسالتها التاريخية ودورها الوطني.
ولم يكن هذا التحول مسؤولية الأحزاب الطائفية التقليدية وحدها، بل شاركت فيه، بدرجات متفاوتة، أحزاب وقوى طالما قدمت نفسها بوصفها علمانية، أو يسارية، أو قومية، أو عابرة للطوائف. فقد انساقت، قسرًا أو طوعًا، إلى قواعد اللعبة نفسها، وأصبحت تمارس ما كانت تدينه بالأمس. فتارة تتهم خصومها بالطائفية، وطورًا تمارس المحاصصة ذاتها من دون أي حرج، وتبررها بأسماء مختلفة: مرة باسم “التوازن”، ومرة باسم “الواقعية السياسية”، وأخرى بحجة “حماية الحقوق”. وهكذا، تحولت العلمانية عند بعضهم من مشروع لتجاوز الطائفية إلى مجرد شعار يُرفع عند الحاجة ويُطوى عند تقاسم المواقع.
ولم تسلم النقابات من هذا المسار. ففي نقابتي المحامين والأطباء، ونقابة المهندسين، كما في عدد من النقابات المهنية الأخرى، باتت الانتخابات تُقرأ، في كثير من الأحيان، باعتبارها موازين قوى سياسية وطائفية أكثر منها منافسة بين برامج مهنية. كما تأثرت رابطة الأساتذة المتفرغين في الجامعة اللبنانية بهذا الواقع، شأنها شأن غيرها من الهيئات، حيث أصبحت التوازنات السياسية والطائفية تطغى، في محطات عديدة، على الاعتبارات الأكاديمية والمهنية.
وحتى النقابات المستحدثة لم تنجُ من هذه العدوى. فـنقابة النفسانيين، التي كان يُفترض أن تؤسس لثقافة مهنية حديثة بعيدة عن الاصطفافات التقليدية، بدأت هي الأخرى تُظهر مؤشرات على تسلل المرض نفسه إليها، رغم حداثة عهدها، وكأن الطائفية في لبنان لا تترك مؤسسة إلا وتحاول إخضاعها لمنطقها.
أما الجامعة اللبنانية، التي يفترض أن تكون آخر قلاع الفكر الحر وإنتاج المعرفة، فقد أصابها ما أصاب غيرها. ففي بعض الكليات والأقسام واللجان العلمية، أصبح الحديث عن التوازنات الطائفية أمرًا مألوفًا عند تشكيل اللجان أو توزيع المسؤوليات الأكاديمية، حتى غدا “ميزان الذهب المذهبي” معيارًا غير معلن، ولكنه حاضر في أذهان الجميع. والمفارقة أن بعض من يرفعون شعار الدولة المدنية أو العلمانية لم يعودوا يرون في ذلك أي تناقض، بل باتوا يدافعون عنه بوصفه ضمانة للاستقرار أو وسيلة لحماية الشراكة.
ولم يتوقف الأمر عند النقابات والجامعات، بل تمدد، بدرجات متفاوتة، إلى الإدارات العامة، وإلى بعض المؤسسات الأمنية والعسكرية عند توزيع المسؤوليات والتعيينات في المواقع العليا. ولم يعد الحديث يقتصر على معادلة “ستة وستة مكرر” التي ارتبطت بمرحلة ما بعد الحرب، بل تجاوزتها الممارسة اليومية إلى توزيع يكاد يشمل كل موقع وكل لجنة وكل مجلس، حتى أصبحت المحاصصة غاية في ذاتها، لا مجرد آلية انتقالية فرضتها ظروف استثنائية.
لقد أدى هذا المسار إلى إفراغ المؤسسات من مضمونها. فلم تعد النقابة، في كثير من الأحيان، مدرسة للدفاع عن الحقوق والحريات، ولا الجامعة مصنعًا للنخب والبحث العلمي، ولا الإدارة العامة فضاءً للكفاءة، بل تحولت إلى ساحات لإدارة التوازنات وتقاسم النفوذ. وتراجع معيار الكفاءة لمصلحة معيار الانتماء، حتى بات السؤال الأول عند شغور أي موقع: “لمن سيكون هذا الموقع؟” قبل أن يُطرح السؤال الطبيعي: “من هو الأجدر به؟”.
وفي المقابل، انكفأ كثير من الرواد والمثقفين والنقابيين الذين حملوا يومًا مشروع الدولة المدنية. فمنهم من اختار الصمت، ومنهم من استسلم للأمر الواقع، ومنهم من وجد نفسه عاجزًا عن مواجهة منظومة تمتلك السلطة والمال والطائفة معًا. وبعد الحرب، لم تكتفِ الطائفة بحماية أبنائها، بل أصبحت تراقبهم، وتحتويهم، وتكافئهم، وتعاقبهم، وتحدد سقوف حركتهم، حتى غدا الخروج من عباءتها مكلفًا مهنيًا واجتماعيًا وسياسيًا.
إن أخطر ما أنجزته الطائفية في لبنان أنها لم تعد تفرض نفسها على خصومها فحسب، بل نجحت في استدراج كثير من معارضيها إلى منطقها، حتى أصبحوا جزءًا من آلياتها، يكررون الممارسات نفسها التي طالما انتقدوها. وهنا تكمن قوة هذا النظام؛ فهو لا يكتفي بإخضاع المؤسسات، بل يعيد تشكيل وعي خصومه أيضًا، ويجعلهم، من حيث يدرون أو لا يدرون، أسرى قواعد اللعبة التي وعدوا يومًا بإسقاطها.
لقد بدأت الأزمة بتجريف النقابات، ثم انتقلت إلى الجامعات، فالإدارات، فالهيئات المهنية، حتى أصبحت اليوم تطال المجتمع بأسره. وعندما تُقاس المؤسسات بالانتماء لا بالكفاءة، وتُوزع المواقع بوصفها حصصًا لا مسؤوليات، فإن الخاسر لا يكون فريقًا سياسيًا أو طائفة بعينها، بل الدولة نفسها، ومعها فكرة المواطنة، والعمل العام، والجامعة، والنقابة، والإدارة.
ويبقى السؤال الذي لا مفر منه: إذا كانت الطائفة قد ابتلعت الدولة، فهل بدأت اليوم تبتلع المجتمع أيضًا؟




