رأي خاص

الشيخ أحمد الأسيرأخطر الطعنات جاءت من الخلف

أحمد خالد يافاوي


لم تكن قضية الشيخ أحمد الأسير يوماً مجرد مواجهة أمنية عابرة أو خلاف سياسي تقليدي، بل كانت في جانب كبير منها انعكاساً لأزمة عميقة داخل البيئة السنية نفسها، وخصوصاً داخل مدينة صيدا التي تحولت مع الوقت إلى ساحة انقسام وصراع صامت بين من رأى في الرجل حالة احتجاج شعبية، ومن اعتبره خطراً على التوازنات القائمة.
فمنذ البدايات، بدا واضحاً أن الشيخ أحمد الأسير لم يُحاصر فقط من خصومه السياسيين والأمنيين، بل أيضاً من أطراف سنية وصيداوية فضّلت الابتعاد عنه أو التحريض عليه أو تركه يواجه مصيره وحيداً. وهنا تكمن المأساة الحقيقية: أن أكبر ضربة تلقاها الرجل لم تأتِ فقط من خصومه، بل من بيئته التي شعر كثيرون أنها تخلّت عنه في أكثر اللحظات حساسية.
لقد دخلت الحسابات السياسية والشخصية والزعامات المحلية على الخط بقوة. فبدل أن تُطرح القضية ضمن إطار سياسي ووطني يعالج أسباب الاحتقان والتوتر، جرى اختصارها بشخص واحد وتحويلها إلى ملف أمني صرف، فيما اختار كثيرون الصمت خوفاً أو مصلحة أو حفاظاً على مواقعهم السياسية.
وفي صيدا تحديداً، بدت الصورة أكثر قسوة. فالمدينة التي لطالما اعتبرت نفسها عاصمة الاعتدال السني، وجدت نفسها منقسمة بين من خاف من تمدد حالة الأسير، ومن رأى أن الرجل يعبّر عن شعور حقيقي بالغبن والتهميش داخل الشارع السني. لكن بدلاً من فتح نقاش جدي حول هذه الهواجس، جرى التعامل مع الظاهرة بعقلية الإلغاء الكامل.
وما زاد من تعقيد القضية أن كثيراً من أبناء الطائفة السنية شعروا مع الوقت بأن العدالة في لبنان لا تُطبّق على الجميع بالمعايير نفسها، وأن بعض الملفات تُدار وفق التوازنات السياسية والطائفية أكثر مما تُدار وفق القانون وحده. لذلك تحولت قضية الشيخ أحمد الأسير عند شريحة واسعة إلى رمز لسؤال أكبر يتعلق بالدولة والعدالة والمساواة بين اللبنانيين.
إن أخطر ما كشفته هذه القضية هو حجم الانقسام والضعف داخل البيت السني نفسه، حيث غابت المرجعيات القادرة على استيعاب الغضب الشعبي أو احتواء التوتر، فتركت الساحة مفتوحة أمام التصعيد والانفجار ثم أمام الخذلان الجماعي لاحقاً.
واليوم، وبعد سنوات طويلة، لا يزال كثيرون يسألون: هل كان المطلوب محاسبة رجل فقط، أم إسقاط أي حالة سنية شعبية قد تخرج عن حدود اللعبة السياسية التقليدية؟

28 أيار 2022

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى