زلزال انترنتكا أم بعوضة خوف؟ بين الحقيقة العلمية وذباب المعلومات المضلّلة

بقلم: غدير بنت سلمان سعدالدين
محرّرة صحافة – الفجر الجديد
انتشر في الاونة الاخيرة على مواقع التواصل خبر مثير يقول إن زلزالًا عنيفًا بقوة 8.3 ضرب قارة انتركاتيكا، وإن الأرض “تتهيأ لمرحلة تكسر الجليد” و”حدث كبير قادم”.
لكن بعد مراجعة المصادر العلمية الموثوقة، تبيّن أن كل ما نُشر كان مجرد تضخيم لا يستند إلى أي حقيقة.
أولًا: ماذا حدث في الواقع؟
بحسب بيانات مراكز الرصد العالمية (USGS – GFZ – EMSC)، فقد سُجّلت في 4 و5 و6 و7 ديسمبر:
• زلزال متوسط بقوة 5.5 في المحيط جنوب القارة
• زلزال بقوة 4.5 في ممر دريك
• عدة هزات خفيفة تتراوح بين 4.3 و4.9
جميع هذه الهزات طبيعية جدًا في خطوط الصفائح البحرية، ولا تمثل خطرًا كبيرًا، ولم يُسجّل أي زلزال بقوة 8 درجات أو ما يشبهه.
وبالتالي لا وجود لزلزال “عنيف” ضرب القارة كما تم ترويجه.
ثانيًا: كيف وُلدت الإشاعة؟
بين بعوضة الخوف وذباب الإنترنت
ما حدث على مواقع التواصل لم يكن زلزالًا جيولوجيًا، بل زلزالًا نفسيًا ومعلوماتيًا.
تحولت معلومة صغيرة وغير دقيقة إلى موجة خوف واسعة، نتيجة حسابات مجهولة ونشر عناوين مثيرة تهدف لجذب الانتباه لا أكثر.
هذه الظاهرة هي ما يمكن تسميته:
بعوضة الخوف
معلومة ضعيفة، لكنها تثير اضطرابًا كبيرًا.
وهي جزء من ما يُعرف اليوم بـ:
ذباب الإنترنت
صفحات مجهولة تعتمد على التخويف والتضليل لنشر محتوى يثير القلق ويزيد التفاعل، مستغلة نقص الوعي والثقة لدى شريحة من الناس.
ثالثًا: لماذا نكتب هذا؟
لبنان يحتاج إلى وعي أقوى من الخوف
بعد التجارب المريرة التي عاشها اللبنانيون، أصبح من الواضح كيف يمكن لمعلومة خاطئة أن تقلب مزاج مجتمع كامل.
لقد تعلمنا أن هناك من يتحكم بوعي الناس عبر نشر الشائعات، وتضخيم الأحداث، وصناعة الخوف.
ولذلك، فإن هذه الإشاعة عن “زلزال انترنتكا” كانت فرصة حقيقية لرفع الوعي، وتذكير القارئ بما يلي:
• لا تأخذ أي معلومة من دون مصدر رسمي
• لا تسمح لأحد أن يربك وعيك بمحتوى مجهول
• لا تخلط بين العلم والتهويل
• ولا تصنع خوفًا من شيء لم يحدث
رابعًا: العلم يتطور… لكن الفطرة أقوى
من المهم أن نتذكر أن أي كارثة حدثت في التاريخ، سواء زلزالًا أو إعصارًا أو فيضانًا، جاءت بغتة دون إعلان مسبق.
التاريخ يشهد أن الأرض تتحرك وفق قوانين فطرية لا يملك البشر أن يوقفوها.
ومهما تقدمت التكنولوجيا، ومهما صنعوا من أجهزة إنذار، ومهما حاولوا التنبؤ بكل حركة للسماء والأرض، تبقى قوة الطبيعة أكبر، وتبقى الفطرة الإلهية فوق كل توقع.
العلم يعطي فهمًا لكن الإيمان يعطي طمأنينة.
والوعي وحده هو الذي يحمي الإنسان من الوقوع في فخ الخوف المصنوع.
خاتمة
لا يوجد زلزال مدمّر ضرب انتركاتيكا.
لكن هناك هزّات بسيطة، وهناك موجة خوف ضخمة تضرب وعي الناس.
مهمتنا اليوم ليست فقط نقل الحقيقة، بل حماية وعي المجتمع من الإشاعات التي تُرَوّج دون علم، ومن الذباب الإلكتروني الذي يتغذّى على الخوف.




