بلدية بيروت: إمّا الإنقاذ… وإمّا المواجهة

بيروت لم تعد تحتمل بلدية مشلولة، ولا إدارة تُدار من خلف الكواليس، ولا مجلسًا يتقاسم العجز بدل أن ينتج الحلول. ما يجري اليوم ليس أزمة أموال فقط، بل أزمة نظام بلدي مخطوف بين محافظ يملك مفاتيح التعطيل، ورئيس منتخب يُترك وحيدًا في مواجهة منظومة تعرف كيف تُفرغ المؤسسات من مضمونها. هذه ليست إدارة مدينة، بل إدارة شللٍ مقصود، تُراكم الأزمات وتحوّل العاصمة إلى رهينة توازنات سياسية وطائفية واقتصادية لا علاقة لها بحياة الناس ولا بحقهم في مدينة نظيفة، منظّمة، منتجة، وآمنة.
بيروت اليوم تُدار باسم أهلها لا لأجلهم. عائداتها تُستنزف، قراراتها تُقايض، مشاريعها تُجمّد، وأحياؤها تُترك تتآكل تحت شعارات “التوازن” و“الميثاقية” و“الاستقرار”، فيما الحقيقة أن هذا الاستقرار هو استقرار العجز. المجلس البلدي نفسه أصبح ساحة صراع مصالح ومناطق وطوائف، لا فريق عمل لإنقاذ مدينة. تحالفات داخل المجلس لم تنتج رؤية حضرية ولا خطة إنقاذ، بل أعادت إنتاج منطق السلطة نفسها: اصطفاف بلا برنامج، وشراكة بلا إنتاج، وتسويات تُدار على حساب المدينة وسكانها.
والأخطر أن ملف تقسيم بيروت يُستخدم كفزاعة سياسية في العلن، فيما هو في الواقع قائم في النفوس قبل الخرائط، وفي الممارسات قبل القرارات، وفي السلوك السياسي والحزبي والاجتماعي وحتى الإنساني. التقسيم لم يعد احتمالًا نظريًا، بل حقيقة يومية تُترجم في الخدمات، وفي التعاطي مع الأحياء، وفي توزيع المشاريع، وفي إدارة الأمن والإنماء. لذلك فإن النقاش حول التقسيم يجب أن يُنزَع عنه طابع التخويف، ويُعاد إلى جوهره الإداري والإنمائي.
ولنقلها بوضوح: نصف بلدية تعمل أفضل من بلدية كاملة مشلولة. بلديتان تتنافسان على الخدمة، على النظافة، على التنظيم، على الجباية، على جذب المشاريع، أفضل من مجلس واحد يتقاتل على الصلاحيات ويتقاسم التعطيل. المواجهة بالعمل أشرف من التعايش مع الفشل. التنافس بالإنتاج أنبل من الشراكة في الانهيار.
لسنا دعاة تقسيم طائفي، بل دعاة كسر الجمود. إذا كان النظام الحالي عاجزًا عن إدارة مدينة بحجم بيروت، فليُعاد بناؤه ولو بصيغة صادمة. الصدمة أحيانًا علاج. التغيير الحقيقي لا يولد من المجاملات ولا من التسويات الرمادية، بل من قرارات واضحة تعيد السلطة إلى أهل المدينة لا إلى الوسطاء السياسيين.
بيروت تحتاج بلدية قرار لا بلدية توازنات. تحتاج إدارة مدينة لا إدارة أزمة. تحتاج مسؤولين يُحاسَبون على النتائج لا على الخطابات. إما أن نحرّر البلدية من قبضة التعطيل والطائفية والمحاصصة، أو نذهب إلى مواجهة مفتوحة مع هذا النموذج الفاشل، ولو عبر إعادة رسم الهيكل الإداري للمدينة. بيروت لن تُنقذها اجتماعات اللجان ولا خطابات المناسبات، بل إرادة سياسية تكسر الجمود وتضع الإنتاج فوق الطوائف، والعمل فوق الصفقات، وكرامة المدينة فوق مصالح المتحاصصين. إما بلدية تعمل… أو نظام يُغيَّر. لأن مدينة بحجم بيروت لا يجوز أن تُدار كغنيمة، ولا أن تُترك رهينة التعطيل.
أحمد خالد يافاوي
بيروت – 3 شباط 2026



