رأي خاص

عكار… حين تتحول الأطراف إلى منفى داخلي


مصباح العلي


إنها الأسطوانة المملة ذاتها عن عكار، ذلك الطرف الفقير النائي في دولة تتنصّل من واجباتها، لكنها لا تتردد في المطالبة بحقوقها منه، ولو ظلماً وعدواناً.
قيل الكثير عن واقع عكار الخدماتي والتنموي، لكن أحداً لم يضع يوماً خطة متكاملة لانتشالها من واقعها المؤلم، وكأن هذه المنطقة كُتب عليها أن تبقى مجرد خزان بشري وفقير للدولة المركزية، لا شريكاً فعلياً في تكوينها الاقتصادي والسياسي.
المشكلة الحقيقية بين عكار والدولة ليست فقط غياب المشاريع أو ضعف الخدمات، بل أزمة ثقة تاريخية.
الدولة اللبنانية، منذ نشأتها، نظرت إلى الأطراف بوصفها عبئاً جغرافياً وبشرياً، لا مساحة قابلة للحياة والتنمية.
وعكار، كغيرها من المناطق الطرفية، عوملت دائماً بنوع من الازدراء المقنّع، باعتبارها منطقة متخلفة، هامشية، لا يُرتجى من الاستثمار فيها مردود سياسي أو اقتصادي كبير.
حين كلّف الرئيس فؤاد شهاب بعثة “إيرفد” IRFED، برئاسة الأب لويس جوزف لوبريه، بإجراء المسح الاجتماعي والاقتصادي الشامل للبنان عام 1959، جاءت النتائج صادمة لحجم التفاوت البنيوي بين المركز والأطراف.
وقد برزت عكار آنذاك بوصفها المنطقة الأكثر فقراً وتهميشاً، حتى مقارنة بالجنوب اللبناني، الذي كان يمتلك في تلك المرحلة امتداداً اقتصادياً واجتماعياً مع فلسطين شكّل متنفساً نسبياً قبل أن تدخل المنطقة لاحقاً في صراعات كبرى مع إسرائيل.
كان هدف الدراسة تشخيص ما وُصف يومها بـ”التفاوت العنيف” بين بيروت والأطراف، حيث تركزت الثروة والخدمات وفرص العمل في العاصمة ومحيطها، فيما تُركت المناطق البعيدة لمصيرها.
لكن المأساة أن النظام اللبناني لم يعالج هذا الخلل، بل أعاد إنتاجه بصورة أكثر قسوة عبر المركزية السياسية والمالية، وشبكات الزبائنية التي حولت الإنماء إلى أداة ولاء لا حقاً طبيعياً للمواطنين.
عكار دفعت للدولة أكثر مما أخذت منها.
دفعت ضرائب، ودفعت أبناءها للجيش والأسلاك الأمنية، ودفعت شبابها للهجرة، فيما كانت الخزينة تعيد إليها الفتات فقط.
الطرقات المتهالكة، غياب البنية الصحية، ضعف التعليم الرسمي، وانعدام المشاريع الكبرى ليست أخطاء إدارية عابرة، بل نتيجة رؤية سياسية تعتبر الأطراف مجرد خزانات انتخابية موسمية.
المفارقة أن عكار تملك كل المقومات التي تؤهلها لتكون منطقة منتجة وقادرة على تحقيق اكتفاء اقتصادي واسع.
فسهل عكار من أغنى الأراضي الزراعية في لبنان، فيما تتيح طبيعتها إمكانات كبيرة للطاقة الشمسية وطاقة الرياح، إضافة إلى موقعها التجاري المفتوح على سوريا، ووجود مطار القليعات الذي يمكن أن يتحول إلى رئة اقتصادية للشمال كله.
كما تمتلك المنطقة مساحات واسعة قابلة لإنشاء مناطق صناعية حديثة، فضلاً عن إمكانات سياحية مهملة، من السياحة البيئية إلى الدينية، تجعلها قادرة على استقطاب نشاط اقتصادي على مدار السنة، لا ضمن موسم محدود فقط.
بل يمكن الذهاب أبعد من ذلك في التفكير الاقتصادي والسياسي.
ففي إطار لامركزية مالية موسعة، أو حتى نظام فدرالي إداري حديث، تستطيع عكار أن تتحول إلى نموذج تنموي مختلف بالكامل، عبر منح حوافز ضريبية خاصة للمستثمرين، وإنشاء مرفأ بنظام B.O.T يتكامل مع مرفأ طرابلس، ويتخصص بتصدير المنتجات الزراعية العكارية نحو الخارج، بعيداً عن البيروقراطية المركزية الخانقة في بيروت.
المسألة هنا لا تتعلق بالنزعات الانفصالية كما قد يحاول البعض تصويرها، بل بإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والأطراف.
فالدولة التي تفشل لعقود في تأمين الحد الأدنى من العدالة التنموية، تفتح تلقائياً الباب أمام أفكار اللامركزية الموسعة والبحث عن نماذج حكم أكثر كفاءة.
عكار ليست فقيرة بالموارد، بل ضحية نظام سياسي يرى في الأطراف مجرد هوامش، فيما الحقيقة أن هذه الهوامش قد تكون يوماً أكثر قدرة على الحياة من المركز نفسه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى