ايران والمنطقة ما بعد اغتيال المرشد!

بقلم علي شندب
بخلاف التوقعات الأمريكية الاسرائيلية، أو “الإسرائيكية”، فإن دماء كثيرة ستسيل حتى لا تسقط ايران بيد ثنائي ترامب ونتنياهو، أو تراتنياهو. فقد علّمتنا التجارب أن اليوم التالي لاسقاط نظام أي دولة مفقود من الاستراتيجيات القائمة على الهيمنة والسيطرة وتفتيت المجتمعات. الاستراتيجية الوحيدة المطروحة هي إسقاط ايران الدولة والكيان وليس نظامها فقط.
لقد أفصحت عملية اغتيال المرشد الايراني علي خامنئي، أن مقتله لا يُسقط النظام، كما حصل في الجماهيرية الليبية التي ما إن قتل زعيمها معمّر القذّافي حتى انهار نظامه بالكامل، ولم تزل ليبيا حتى اليوم تعيش بين الفوضى المتناسلة واللانظام، وأيضاً كما حصل في العراق 2003 بعد غزو العراق واحتلاله ومن ثم اعدام صدام حسين والقيادة العراقية.
أفصح اغتيال خامنئي أن النموذج الايراني استطاع أن يجمع بين الدولة والثورة، وأن يمأسس هياكل الدولة ومؤسّساتها، وانتاج قياداتها المختلفة وفق ابتكار نظام جديد، سبق وان تجاوز الكثير من التحديات المفصلية، لكن تحدي ايران اليوم، فهو غير مسبوق، بسبب الحرب الاستئصالية الضروس التي تتعرض لها.
بهذا المعنى لم ترتق المعادلة الترامبية في فنزويلا الى مستوى ان تكون نموذجاً يمكن اسقاطه على ايران، وهذا يدل على فشل ذريع في المقاربات الترامبية السياسية، ولعلّ سرعة اعتقال مادورو قد شكلت نموذجاً مغشوشاً لترامب الذي يبدو وكأنه بلع لقمة مسمومة.
واذا كان ترامب المسكون بالصفقات يتطلع لابرام صفقة ما مع من يصفهم بالوطنيين الايرانيين، فيبدو كمن يزرع الوهم ليحصد أوهاما مضاعفة، نتيجة سرعة الاداء الايراني في تشكيل اللجنة المؤقتة لمهام المرشد، توازياً مع سعي مجلس خبراء القيادة لانتخاب خليفة المرشد الشهيد.
بهذا المعنى، فشهادة خامنئي، ستؤدي حكماً وحتماً لانتاج ادارة ايرانية أكثر تطرفاً من النهج الذي اعتمده الرجل حتى أنفاسه الأخيرة. كما وستؤدي الى انتاج حالة ملحمية، يمكن تسميتها بكربلاء الثانية، التي تحدث عنها زعيم حزب الله التاريخي حسن نصرالله وخليفته نعيم قاسم. لكن مواصفات التراجيديا الكربلائية تنطبق على خامنئي أكثر ممّا تنطبق على نصر الله الذي سبق له أن وسّم خامنئي بأرفع وسام ينتجه الفقه الكربلائي، وهو “حسين العصر”، الذي سوف يعيد انتاج الحالة الكربلائية بصيغة معاصرة ممتدة من الامام الحُسين الى حسين العصر، وهذا ما سيعمل الشعراء والندابون على اعادة انتاجه ضد قتلة حسين العصر الحقيقيين، وليس ضد أهالي الفلوجة والرمادي وتكريت وبغداد ودمشق وحمص وحلب!
بالعودة الى استراتيجية اليوم التالي، ما بعد خامنئي، فلا شيء في جعبة ترامب يمكن أن يؤدي لاستنساخ التجربة الفنزويلية. أمّا نتنياهو فليس سرّاً أنّه ليس مهتماً بانتاج نظام ايراني جديد حتى لو تسيّدته الشاهنشاهية من جديد. ما يهم نتنياهو هو تفكيك ايران، وإشاعة الفوضى فيها، والعمل بقوة على تفجير تناقضاتها الاثنية والعرقية والقومية والمذهبية، تفجير يهدف الى ضرب مكانة ايران المعنوية قبل برامجها النووية. تفجير من شأن اندلاع شرارته، أن يصيب مقتلاً في دول جوار ايران كافة ومنها تركيا التي رغم ناتويتها، فإنها تشكل هدفاً اسرائيليا حقيقياً وحتمياُ، وهذا ما عناه نتنياهو بكلامه عن مخاطر محور اسلامي سنّي قيد التشكل.
بعيدا عن قدرات ايران المعلومة وغير المعلومة، وعن حقها حتى في امتلاك السلاح النووي، طالما تمتكله اسرائيل العدوة، ينبغي التأكد أن سقوط ايران بيد “تراتنياهو” هو خطوة باتجاه ترسيم “الشرق الأوسط الاسرائيلي”، ما ان تتوقف حرب ايران، حتى يفتح ملف دولة أخرى وحرب اخرى وصولاً الى اسقاط كلام مايك هاكابي على ارض الواقع، وهو الكلام الذي يستمر تأثيره أكثر من بيانات استنكار الدول العربية.
بهذا المعنى، لم يكن العدوان الاسرائيكي على ايران، نتيجة خلافات بوجهات النظر. انها الاستراتيجية الاميركية للمنطقة، والتي تشكل اسرائيل بعد البصمة الترامبية عليها، حجر الرحى. وعبر هذا الحجر يواصل بنيامين نتنياهو تقيأه على شعوب المنطقة وحكوماتها وهو يحدث التغيير الكبير في الشرق الأوسط. خطط نتنياهو باتجاه اسرائيل الكبرى، استبقها دونالد ترامب باعلان سعيه “لتوسيع مساحة اسرائيل”. انه التوسيع الذي انطلق قبل “طوفان الأقصى” ومهّد له ترامب بالاعتراف بـ”سيادة اسرائيل على الجولان” السوري المحتل، وهو الاعتراف الذي استبقه بالاعتراف بالقدس كعاصمة لإسرائيل، في وقت كان جهابذة ايران ومحورها يردّدون معزوفة اقتدارهم على تدمير اسرائيل بـ 7 دقائق ونصف.
خلال أربعة أيام على انطلاق العدوان الاسرائيكي على ايران، تطور المشهد الحربي، بطريقة أرادت فيها ايران تنفيذ اطروحتها بأن الحرب عليها ستؤدي الى حرب اقليمية. لكن هذه الحرب لم تقع. فعملت ايران من خلال مروحة قصفها التي استهدفت “القواعد الأمريكية” في دول الجوار الخليجي خاصة، ما شتّت الجهد الحربي الايراني، وارتدّ سلباً على ايران التي تجد نفسها اليوم أمام بيئة جوار معادية، تم دفعها اليوم الى ردع عدوان ايران عليها، كما تمّ دفع بعضها بالأمس للارتماء في حضن نتنياهو واتفاقات ابراهام.
المفاجأة في تمدّد مروحة الدفاع الايراني، كان في انخراط حزب الله اللبناني بالقتال ضد اسرائيل انتقاماً وثأراً لمقتل المرشد من جهة، وللدفاع عن جنوبي لبنان ضد الاعتداءات الاسرائيلية المتواصلة منذ نحو 15 شهرا، وسط اجراءات حكومية لبنانية رفعت الصوت ضد انخراط الحزب في هذه الحرب التي أعادت كابوس الدمار والدماء. حيث قرر جيش الاحتلال تهجير سكان الجنوب اللبناني الى شمالي نهر الليطاني.
وبغض النظر عن اجراءات الحكومة اللبنانية، فلحزب الله مسوّغاته التي تقول بأن من شأن انخراطه في المواجهة ضد اسرائيل تكبير الأكلاف والأثمان على جيش الاحتلال من جهة، وبالطبع يوقفون القتل المجاني بحقهم، ويقررون في استعادة كربلائية القتال والموت في الميدان بمواجهة مشرفة ولو غير متكافئة مع اسرائيل، حتى لا يعمّم عليهم نموذج مادورو.




