هل تسجيل المكالمات الهاتفية قانوني في لبنان؟

بقلم المحامي داني جعجع
تسجيل المكالمات صار سهلاً تقنياً، لكنه ليس دائماً قانونياً. في لبنان، القاعدة الأساسية هي: الاتصالات سرّية، ولا يجوز المساس بها إلا ضمن شروط محددة.
1) القاعدة العامة: سرّية الاتصالات هي الأصل
قانون 140/1999 كرّس أن الحق في سرّية التخابر عبر وسائل الاتصال (ومنها الهاتف) مصون وفي حمى القانون، ولا يجوز التنصّت أو المراقبة أو الاعتراض أو الإفشاء إلا ضمن الحالات والأصول التي يحددها القانون.
وعلى المستوى الحقوقي العام، العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية يحمي الأفراد من أي تدخل “تعسفي أو غير قانوني” في مراسلاتهم وخصوصياتهم.
وبالتالي تسجيل مكالمة قد يضعك في منطقة قانونية حسّاسة لأن الأصل هو الحماية، لا الإباحة.
2) متى يصبح اعتراض/تنصّت قانونياً؟
قانون 140/1999 لا”يفتح باب الاعتراض للجميع. هو يضعه كإجراء استثنائي:
• قرار قضائي من قاضي التحقيق الأول في حالات محددة وبمدة محددة وبشكل معلّل،
أو
• ترخيص إداري ضمن نطاق ضيق يتعلق بأمن الدولة والإرهاب والجرائم المنظمة.
وخارج هذه الأصول، توجد عقوبات على اعتراض المخابرات خلافاً للقانون وعلى من يفشي أو يحتفظ بمعلومات متحصلة من اعتراض غير مشروع.
3) السؤال الأكثر شيوعاً: إذا كنت أنا طرفاً في المكالمة، هل يجوز أن أسجّل؟
هنا تقع “المنطقة الرمادية” التي يكثر فيها الجدل.
• بعض القراءات تعتبر أن أي تسجيل دون مسوّغ/دون علم الطرف الآخر يمس سرّية المخابرة وقد يندرج تحت مفهوم الاعتراض المحظور، لأن قانون 140/1999 يحمي “سرّية التخابر” بشكل عام ويجرّم الاعتراض المخالف.
• قراءات أخرى تميّز بين “اعتراض طرف ثالث” وبين “تسجيل أحد أطراف المكالمة”، لكنها لا تجعل الأمر مطلقاً، لأن الخطر ينتقل إلى نصوص أخرى: الخصوصية، سوء الاستعمال، الإضرار، النشر.
الخلاصة :حتى لو كنت طرفاً، التسجيل “من دون علم الطرف الآخر” قد يعرّضك لمشاكل قانونية، خصوصاً إذا استُخدم ضد الشخص أو تم تداوله.
4) أين تصبح المخالفة أو الجريمة أكثر وضوحاً؟
حتى لو اختلفنا حول توصيف “التسجيل” نفسه، هناك حالات تكون المخالفة فيها أقرب وأخطر:
(أ) إذا سجّلت مكالمة لست طرفاً فيها
قانون العقوبات يعاقب كل شخص يطلع بالخدعة على مخابرة هاتفية، ويعاقب أيضاً من يطلع على مخابرة بقصد إذاعتها وإلحاق الضرر ويُعلم بها غير المرسل إليه.
هذه المنطقة غالباً أخطر من تسجيل مكالمة أنت طرف فيها.
(ب) إذا نشرت التسجيل أو أرسلته للناس
قانون 81/2018 يعتبر أن التسجيل والحفظ والاستعمال والنشر… كلها معالجة لبيانات شخصية.
أي أن المشكلة لا تبقى “هل سجلت؟” بل تصبح “كيف استعملت التسجيل؟ ولمن أعطيته؟”.
(ج) إذا استعملته للضغط أو الابتزاز
إذا صار التسجيل وسيلة تهديد للحصول على منفعة غير مشروعة، تدخل أحكام الابتزاز/التهويل (مثلاً المادة 650 عقوبات).
5) وهل يمكن اعتماد التسجيل كدليل أمام المحكمة؟
القانون اللبناني يقرّ التسجيل كوسيلة ضمن القناة القضائية: قانون أصول المحاكمات المدنية يجيز للمحكمة/القاضي المنتدب اللجوء إلى التسجيل الصوتي أو البصري أو السمعي البصري في التحقيق، ويُحفظ التسجيل لدى القلم مع إمكانية إعطاء نسخة للخصوم.
كما يفرض على الخصوم التقيّد بمبادئ “الاستقامة” في الإثبات.
ماذا يعني هذا عملياً؟
• التسجيل قد يساعد كقرينة، لكن المحكمة قد تناقش مشروعية تحصيله وسلامته التقنية ومدى احترام الخصوصية والاستقامة.
6) توصيات عملية واضحة (لتجنّب الوقوع في مشكلة)
1. الأكثر أماناً: إذا اضطررت للتسجيل، أخبر الطرف الآخر بوضوح في بداية المكالمة أن المكالمة تُسجّل.
2. لا تنشر ولا تتداول: احتفظ به ضمن إطار ضيق (محاميك/ملف قضائي عند الحاجة)، لأن النشر والتداول يرفعان المخاطر كثيراً.
3. لا تسجّل مكالمة لا تخصّك: تسجيل مكالمة لست طرفاً فيها أقرب إلى التجريم.
4. لا تستخدم التسجيل للضغط: إذا تحوّل إلى تهديد أو ابتزاز تصبح المخاطر عالية جداً.
خاتمة
القاعدة في لبنان هي سرّية الاتصالات. والاعتراض القانوني ليس خياراً متاحاً للأفراد، بل إجراء استثنائي مضبوط.
أما تسجيل المكالمات بين أفراد، فحتى لو كان شائعاً تقنياً، فهو قانونياً محفوف بالمخاطر خاصة عند التسجيل من طرف واحد أو عند النشر والتداول أو عند استعماله للإضرار أو الابتزاز.




