منعطف النار: كيف تقود إسرائيل المنطقة إلى هاوية بلا عودة

وسيم فؤاد الأدهمي
خاص – الفجر الجديد
حين تسدّ إسرائيل أبواب الدبلوماسية، فإنها لا تفعل ذلك بدافع العجز السياسي، بل انطلاقاً من عقيدة راسخة بأن العدوان هو الطريق الأقصر لتثبيت السيطرة. وعلى مدى عقود، اعتادت تل أبيب إشعال الحروب لا لردع خصومها فحسب، بل لإعادة إنتاج خارطة الهيمنة الإقليمية. ما نشهده اليوم هو تتويج لهذا المسار: رغبة محمومة في جرجرة واشنطن إلى حرب لا تريدها، وفرض أمر واقع في المنطقة عنوانه الخراب.
التحريض الإسرائيلي ضد إيران لم يتوقف منذ سنوات، لكن نتنياهو بات الآن أمام لحظة مواجهة مباشرة، ليس فقط مع طهران، بل مع موازين قوى عالمية متغيرة. ورغم ما أشيع عن ضربات استباقية وعمليات نوعية، فإن إيران أثبتت قدرتها على الصمود والتأقلم. منشآتها النووية محصنة، وصواريخها العابرة للقارات ترسم خطوط ردع جديدة في معادلة الصراع. حتى الدعم الأمريكي، الذي يأتي في شكل لوجستي وتغطية استخبارية، لم يعد يضمن لإسرائيل تفوقاً مضموناً على ما يبدو، بل يزيد من تعقيد الموقف الأميركي في المنطقة.
البيت الأبيض، وعلى الرغم من خطابه الظاهري عن ضبط النفس، لا يزال يختبر حدود تدخله دون الانزلاق إلى مستنقع شامل. لكنه يدفع باتجاهات متضاربة: من جهة، ضغوط اللوبي الإسرائيلي والصقور في الداخل؛ ومن جهة أخرى، حسابات استراتيجية تدرك أن أي حرب شاملة مع إيران لن تكون نزهة عسكرية، بل مغامرة مكلفة لا نتائج مضمونة لها.
في المقابل، إيران ليست الطرف الذي بدأ هذا التصعيد، لكنها لا تبدو مستعدة للرضوخ. الدعم الروسي والصيني عزز موقعها التفاوضي، والتحالفات الإقليمية التي بدأت تتشكل بعد حرب أوكرانيا، أضعفت إلى حدّ ما اليد الأميركية في فرض شروطها القديمة. أما في اليمن، فحملة واشنطن ضد الحوثيين تحوّلت إلى عبء استراتيجي إضافي، انتهت بمقترحات خجولة لوقف القصف مقابل تهدئة مؤقتة، ما يثبت أن الهيبة العسكرية وحدها لم تعد كافية لتطويع المنطقة.
إسرائيل اليوم ليست في موقع “الدولة المدافعة”، بل في موقع الطرف المعادي المعرقل لأي تسوية، والمندفع نحو فرض حرب كبرى بأي ثمن. لكن التحولات الجارية تشير إلى أن هامش المناورة بدأ يضيق، وأن ثمن الغطرسة السياسية قد يكون هذه المرة أكبر من قدرة تل أبيب وواشنطن على تحمله.




