الفجر الجديد

بعد نحو قرن على الكساد الكبير: الأزمة تعود بحلّة جديدة.

بعد نحو قرن على الكساد الكبير: الأزمة تعود بحلّة جديدة.

بقلم لبنى عويضة

خاص الفجر الجديد
لم يعد الكساد في زمننا لحظة سقوط مفاجئة، بل صار انحدارًا صامتًا وممتدًا. ولم نعد بحاجة لانهيار بورصة أو طوابير خبز لنعلم أن هناك خللًا عميقًا في النظام العالمي. فالأزمات اليوم لا تصرخ، بل تهمس وتتسلل إلى الحياة اليومية بأقنعة متعددة: التضخم يُعاد تعريفه، البطالة تُخفى تحت مسميات جديدة، والقدرة الشرائية تنكمش دون إعلان رسمي عن الهزيمة.

قبل نحو مئة عام، مثّل الكساد الكبير انهيارًا صريحًا ومكشوفًا. أما اليوم، فالعالم ينهار ببطء… خلف واجهات رقمية، شعارات وطنية، وقوانين لا تُطبّق.

حين انهار كل شيء دفعة واحدة

في 24 تشرين الأول 1929، بدأت القصة بانهيار بورصة وول ستريت، حين تهاوت الأسهم كأحجار دومينو، وسقط معها وهم الازدهار الذي عاشته أميركا في العشرينيات. خلال أيام، تبخّرت المدخرات، أُغلقت المصانع، وانتشرت البطالة كالنار في الهشيم، لتتحوّل الأزمة المالية إلى كساد عالمي عميق امتد إلى أوروبا والعالم بأسره.

لم يكن الكساد الكبير مجرد تراجع اقتصادي، بل انفجار لفقاعة حضارية بُنيت على التفاؤل المفرط، الدَّين الرخيص، والسياسات غير المقيدة. كانت ضربة واحدة هزّت العالم لعقدٍ كامل.

في الولايات المتحدة، لم يُعتبر الكساد منتهيًا إلا مع اندلاع الحرب العالمية الثانية عام 1939، حين حرّكت الصناعات الحربية عجلة الإنتاج ورفعت معدلات التوظيف. أما “الصفقة الجديدة” التي أطلقها روزفلت عام 1933، فخفّفت من حدة الأزمة لكنها لم تنهها. في أوروبا والعالم، تفاوتت فترات التعافي، لكن معظم الاقتصادات لم تستعد عافيتها إلا مع التحول نحو اقتصاد الحرب.

2025: زلزال بلا صوت

اليوم لا نواجه انهيارًا صارخًا، بل سقوطًا تدريجيًا بلا ضجيج. فالأرقام تتقلّب، التضخم ينهش المداخيل، والنظام المالي العالمي يختنق في صمت. ومنذ جائحة كوفيد-19، تبدّلت المعادلات: تعطّلت سلاسل التوريد، ارتفعت أسعار الطاقة، تراجعت القدرة الشرائية، وبدأت الاقتصادات الكبرى تتأرجح على حافة الركود.

ثم جاءت الحرب الروسية-الأوكرانية لتعمّق الانقسام وتعيد تعريف الغذاء والطاقة كسلاحين استراتيجيين، لا كسلع في السوق. أما ما نعيشه، ليس تكرارًا لـ1929، بل نسخة هجينة أكثر هدوءًا… وأكثر خطرًا.

أزمة لا تُعلن عن نفسها، بل تتسرّب إلى قلب النظام كسمّ بطيء.

العولمة تتفكك: من السوق المفتوح إلى الحصار المقنّع

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، بُني النظام العالمي على التعاون الاقتصادي: تجارة حرّة، مؤسسات دولية، وشبكة إنتاج واستهلاك عابرة للحدود.

واليوم، ينهار هذا النموذج أمام الانسحاب من الاتفاقات، تصاعد الحواجز الجمركية، شيطنة التجارة المفتوحة، وتمجيد الانغلاق تحت شعار “السيادة الاقتصادية”.

وبالتالي، لم تعد العولمة أداة لتقاسم الثروة، بل حقل ألغام لصراعات متنقلة.

العقوبات كسلاح اقتصادي بلا قواعد

في هذا السياق، تصاعدت العقوبات الأميركية من أدوات ردع سياسي إلى آليات حصار اقتصادي ممنهج، تُفرض غالبًا خارج إطار الشرعية الدولية أو قوانين منظمة التجارة العالمية. كما لم تعد العقوبات تستهدف الأنظمة فقط، بل تطال الشعوب عبر ارتفاع أسعار الغذاء والدواء، شلل في الاستيراد، تهريب رؤوس الأموال، وانهيار الثقة بالمؤسسات…

هكذا تُصنع الأزمات بشكل منظم، وتتراكم آثارها لتُنتج كسادًا عالميًا لا مفر منه.

البطالة المقنّعة… والاستهلاك المتبخر

الكساد لا يُقاس بعدد السلع بل بقدرة الناس على شرائها. واليوم، نشهد مشهدًا متكرّرًا، فيبدو أن البضائع موجودة، لكن الجيوب فارغة. المصانع تعمل، لكن الزبائن غائبون. الأسعار ترتفع، والأجور تتهالك، والناس تتأقلم بصمت….

والواقع يُجمَّل بإحصاءات توظيف جزئية ووظائف هشة لا تضمن حياة كريمة. أما المستهلك الذي كان يُحرّك العالم… بدأ بالاختفاء.

مؤشرات اقتصادية بلا روح

ما يُعرض من مؤشرات لم يعد يعكس الواقع.

فالناتج المحلي يرتفع بالورقة، لا بالحياة اليومية. ونسب البطالة تنخفض رقميًا لكنها ترتفع فعليًا.

أما الأسواق المالية تتضخم… والاقتصاد الحقيقي يختنق. لذا فالأزمة تبدو بلا أدوات صادقة، ولا مقاييس تعبّر عن وجع الناس.

الكساد يرتدي وجوهنا

الكساد لم يعد صورة من أرشيف أبيض وأسود.

بل صار أمًّا تتخطى وجبتها لتُطعم أطفالها، أو موظفًا يعمل بوظيفتين دون تأمين صحي، أو شابًا لا يحلم لأنه لا يرى مستقبله.

والكساد اليوم لا يظهر في نشرات الأخبار… لكنه يسكُن في كل بيت.

كساد عالمي… لكنه شخصي. خانق. مستمر.

لبنان والمنطقة: ما بعد الانهيار

في دول مثل لبنان، لا يكون الكساد مرحلة… بل بنية نظام. اقتصاد بلا سياسة نقدية فاعلة، دولة غائبة، منظومة متهالكة، وسوق تعيش على التهريب والتحويلات والديون.

كساد 2025 بالنسبة للبناني ليس جديدًا، بل استمرار لحالة بدأت منذ السقوط الكبير عام 2019.

اللافت أن الكارثة لم تعد تُدهش أحدًا… بل يُنتظر انفجارها وكأنها استراحة من واقع محتضر.

كساد بأدوات ميتة ووجوه جديدة

ما نعيشه اليوم ليس أزمة طارئة، بل تآكل بنيوي في النظام الاقتصادي العالمي. أزمة تُدار بأدوات قديمة، لكنها تتفجّر بوجوه جديدة، فالبنوك المركزية تظن أن خفض الفوائد أو رفعها سيعيد السيطرة. والحكومات تطمئن شعوبها بمعدلات نمو لا تصمد أمام فاتورة السوبرماركت. والمؤسسات المالية تروّج للاستقرار… بينما الأسواق تتنفس على أجهزة إنعاش.

إن الكساد الجديد لا يصرخ كما فعل عام 1929. بل يهمس في حياتنا: في قراراتنا اليومية، في خوفنا من الغد، في الانكماش الجماعي للرغبة بالحياة.

إذن، العالم لا ينهار فجأة.

بل يُسلّم نفسه ببطء… عبر أدوات لم تعد صالحة، وصمت لم يعد يُحتمل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى