رأي خاص

لا أميركا انتصرت ولا إيران انهزمت… ورأس لبنان على طاولة المفاوضات

أحمد خالد يافاوي 18 حزيران 2026

حتى اللحظة، لا تبدو الصورة كما يحاول كل طرف تسويقها.
فالولايات المتحدة لم تحقق أهدافها كاملة في إيران، إذ لم تحصل على تنازل نهائي عن البرنامج النووي، ولم تنجح في فرض شروطها كاملة على طهران. وفي المقابل، لم تستعد إيران أموالها المجمدة بالكامل، ولم تُرفع عنها العقوبات بصورة شاملة، فيما تحول برنامجها النووي إلى بند تفاوضي مؤجل داخل اتفاقية يقول كثيرون إن خلفها صفقة أكبر من مجرد وقف التصعيد.
لذلك يصعب الحديث عن منتصر ومهزوم. فما جرى حتى الآن أقرب إلى هدنة سياسية مؤقتة منه إلى تسوية نهائية. فواشنطن تحتاج إلى تجنب حرب طويلة ومكلفة في الشرق الأوسط، وطهران تحتاج إلى كسر العزلة الاقتصادية وتخفيف الضغوط الداخلية المتزايدة.
لكن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بإيران وأميركا، بل بما سيلي ذلك على مستوى المنطقة، وخصوصاً في لبنان.
فإسرائيل لا تخفي تحفظاتها على أي اتفاق لا يضع حداً نهائياً للطموحات النووية الإيرانية، فيما لا يزال كثير من بنود التفاهم غامضاً أو مؤجلاً إلى مراحل لاحقة. وهذا ما يجعل الاتفاق هشاً وقابلاً للاهتزاز عند أول اختبار جدي.
أما لبنان، فيبدو كعادته الحلقة الأضعف في المعادلة. فهو ليس شريكاً في التفاوض، لكنه قد يكون أحد أبرز المتأثرين بنتائجه. بل إن الخشية الحقيقية تكمن في أن تتحول بعض الملفات اللبنانية إلى جزء من التسويات الإقليمية التي يجري التفاوض حولها بعيداً عن إرادة اللبنانيين.
ومن هنا تبرز مسألة حزب الله. فالحزب لن يرضى أن يخرج من المولد بلا حمص. وإذا كانت طهران تتفاوض لتحفظ نفوذها ومصالحها، فمن الطبيعي أن يسعى الحزب بدوره إلى تحصيل أثمان سياسية ودستورية واقتصادية داخل لبنان تعوضه عن حجم الخسائر التي تكبدها، وتمنحه موقعاً أقوى في مرحلة ما بعد التسوية.
وقد تتخذ هذه المطالب أشكالاً متعددة، من تعزيز النفوذ داخل مؤسسات الدولة، إلى إعادة طرح أفكار تتصل بتوازنات النظام السياسي، أو المطالبة بأدوار وصلاحيات أوسع، إضافة إلى امتيازات اقتصادية واجتماعية تعيد ترميم بيئته الحاضنة بعد سنوات من المواجهات والاستنزاف.
وهنا تكمن خطورة أي صفقة إقليمية محتملة. فالمشكلة ليست فقط في نجاح الاتفاق أو فشله، بل في الثمن الذي قد يُطلب من لبنان دفعه مقابل استقرار التسوية بين الآخرين. فكلما عجزت الدولة اللبنانية عن فرض حضورها وقرارها، ازدادت الإحتمالات في أن تتحول التفاهمات الخارجية إلى ترتيبات داخلية تُفرض على اللبنانيين من خارج إرادتهم.
فإذا كانت أميركا تبحث عن تهدئة تحفظ مصالحها، وإيران تبحث عن مخرج يحفظ نفوذها، فإن السؤال اللبناني يبقى: ماذا سيكون المقابل؟ ومن سيدفع الثمن؟ وهل ستكون الدولة اللبنانية ومؤسساتها وتوازناتها جزءاً من فاتورة التسويات المقبلة؟
لقد اعتاد اللبنانيون أن يكون وطنهم ساحة للصراعات، لكن الخشية اليوم أن يصبح موضوعاً للتفاوض نفسه، لا مجرد ساحة له. وعندما يصبح مصير الدولة ومؤسساتها وتوازناتها مطروحاً على طاولات الآخرين، فإن الأمر لا يتعلق عندها بمكاسب هذا الفريق أو ذاك، بل بمستقبل لبنان كله.
لذلك يبقى السؤال مفتوحاً: هل ستصمد الاتفاقية وتتحول إلى صفقة متكاملة؟ أم أنها مجرد هدنة مؤقتة بانتظار جولة جديدة من الصراع؟
الإجابة لم تتضح بعد، لكن المؤكد أن الملفات التي أشعلت المواجهة لم تُحل نهائياً، بل جرى تأجيلها.
وفي الشرق الأوسط لا تُدفع أثمان الحروب فقط، بل تُدفع أيضاً أثمان التسويات. والخشية أن يجد لبنان نفسه مرة جديدة ساحة تدفع فواتير الآخرين، فيما يجلس الآخرون إلى طاولة التفاوض ويتقاسمون المكاسب والخسائر على حسابه.
الخطر ليس فقط أن تصمد الاتفاقية أو تسقط، بل أن يكون ثمن صمودها مدفوعاً من رصيد الدولة اللبنانية وسيادتها وتوازنها الداخلي، وأن يكون رأس لبنان نفسه على طاولة المفاوضات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى