خاص الفجر الجديد

إعتراض «أسطول الصمود»خرق بلا قيود ولا حدود(للقوانين الدولية والقيم الإنسانية)

بقلم : د. عبدالرزاق القرحاني
2 / 10 / 2025

لم يكن اعتراض الكيان الإسرائيلي لـ”أسطول الصمود” وحجز المتطوعين فيه مجرد حادث بحري عابر، بل شكّل مشهداً صارخاً من مشاهد انتهاك القانون الدولي وامتهان القيم الإنسانية.
فالأسطول الذي حمل على متنه متطوعين من جنسيات متعددة، جاء في مهمة إنسانية واضحة، هدفها كسر الحصار وإيصال المساعدات إلى من هم بأمسّ الحاجة إليها، ليواجه بقوة السلاح والاعتقال، في خطوة تثير تساؤلات جدية حول مدى التزام إسرائيل بالمواثيق والقرارات الدولية.

القانون الدولي واضح في حماية السفن المدنية والإغاثية، إذ تنصّ اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (1982) على حرية الملاحة في البحار، وعدم جواز اعتراض السفن الإنسانية إلا في حالات الخطر الجسيم.
كما تحظر اتفاقيات جنيف استهداف أو عرقلة الجهود الإنسانية، لا سيما تلك التي تسعى لإيصال الغذاء والدواء إلى المدنيين المحاصرين.

وبالتالي، فإن اعتراض الأسطول وحجز المتطوعين يعد خرقاً مباشراً لهذه النصوص، ويمثل سابقة خطيرة تمسّ حقوق المدنيين والمنظمات الدولية على حد سواء.

كما أن لهذا الفعل العسكري المشين، آثار إنسانية عميقة:
فبالاضافة الى حرمان المحاصرين من المساعدات الأساسية التي كانت تمثل شريان حياة. فإنها إهانة للعمل التطوعي العالمي وتثبيط عزيمة المتضامنين مع القضايا العادلة. وتوسيع دائرة المعاناة الإنسانية عبر تحويل المبادرات السلمية إلى رهائن في اللعبة السياسية.

إنّ خرق القوانين الدولية لا يبقى محصوراً في حدود النزاعات، بل يترك تداعيات سياسية واقتصادية واسعة. ومثل هذه الانتهاكات لا تُضعف فقط صورة هذه الدولة المعتدية، بل تهز أيضاً ثقة الشعوب بالمؤسسات الأممية والدولية.

فحين تعترض إسرائيل أسطولاً إنسانياً تحت مرأى ومسمع العالم، ولا تواجه إلا ببيانات شجب واستنكار، فإن الرسالة الموجهة للمجتمع الدولي هي أن القوانين قابلة للتجاوز متى ما توفرت القوة، وأن العدالة باتت رهينة الحسابات السياسية.
وهذا يفاقم الانقسام في العلاقات الدولية ويضعف دور الأمم المتحدة ومجلس الأمن كضامنين للسلم العالمي.

إن تكرار هذه الانتهاكات يطرح سؤالاً جوهرياً:
ما قيمة القرارات الدولية إذا لم تجد طريقها إلى التنفيذ؟ فقرارات الجمعية العامة ومجلس الأمن التي تدعو إلى احترام حقوق الإنسان، ورفع الحصار، وضمان حرية الشعوب في تقرير مصيرها، تبدو اليوم – كما الأمس – على المحك.
فبينما يرفع المجتمع الدولي شعار السلام وحل النزاعات وحقوق الإنسان، تتوالى الوقائع التي تكشف عجزه عن إلزام المعتدي، بالحد الأدنى من الالتزام بهذه المبادئ.

إن مصداقية النظام الدولي ليست قضية نظرية، بل شرط أساسي لسلامة العالم وأمنه. وإذا لم يتحول التضامن مع “أسطول الصمود” إلى تحرك قانوني وسياسي رادع، فإننا سنكون أمام مرحلة جديدة من تآكل لهذا القانون الدولي، حيث تتحكم فيه القوة والعنجهية وحدها في مصير الشعوب، وتُختزل حقوق الإنسان إلى شعارات.

إن استمرار الصمت الدولي أو التهاون مع المعتدين لا يعني إلا فتح الباب أمام المزيد من التأزم وردات الفعل الغير المنضبطة.

المطلوب اليوم إرادة سياسية جامعة تُعلي صوت العدالة فوق المصالح الضيقة، وتعيد الاعتبار إلى الضمير الإنساني، عبر تفعيل الآليات الدولية للمحاسبة، وحماية المستضعفين، وصون القيم التي قامت عليها الحضارة الإنسانية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى