رأي خاص

لبنان بين وهم السياسة وخطر الوجود

بقلم أحمد خالد يافاوي


منذ أن سقط العقد الاجتماعي في لبنان، أصبحنا في خطرٍ وجودي؛
ولأنّ الوطن ليس فكرةً رومانسية تُختصر بـ«كبة نية وتبولة»، ولا بنشيدٍ يُستعاد عند الأزمات.
فالوطن هو شبكة أمنٍ وأمان:
أمن غذائي، أمن اقتصادي، أمن قضائي، أمن تعليمي، أمن بيئي، أمن صحي، أمن وظيفي، أمن سكني، أمن مالي، وأمن كرامة المواطن.
فعندما تختفي هذه الشبكات، لا ينهار النظام فقط… بل يختفي الوطن.
فبالرغم من سقوط غالبية عناصر شبكة الأمن والأمان، ومع كل ما يجري حولنا من حشودٍ واستعداداتٍ عسكرية، وحروبٍ مفتوحة على خرائط الإقليم، نرى وكأنّ هذا البلد ليس في عين العاصفة، ولا على خطوط التماس الكبرى، ولا مرشّحًا دائمًا ليكون ساحةً لا دولة.
ويُدار المشهد وكأنّ الزمن معلّق، وكأنّ الجغرافيا بلا ثمن، وكأنّ الانفجار الإقليمي المحتمل لن يمرّ من هنا.
في الوقت عينه، يبدو أنّ اهتمام الطبقة السياسية منحصِر بالاستمرار بهذا النمط الركيك من ممارسة العمل السياسي، وبإدارة الانهيار بدل مواجهته، وبتدوير السلطة بدل إنقاذ الكيان، من دون رؤية، وبلا إحساسٍ بالخطر، وبلا إدراكٍ بأنّ ما نعيشه ليس أزمة حكم، بل نهاية صيغة.
ومع ذلك، ما زلنا نسمع من يتحدّث عن انتخاباتٍ وتحالفات، وكأنّ المشكلة تقنية لا وجودية، وكأنّ تغيير الوجوه داخل منظومةٍ ميتة يمكن أن يُنتج حياة.
فالمصيبة ليست فقط في السلطة، بل في من يفكّر في إعادة إنتاجها، وفي من يراهن على الأدوات نفسها بعد الانهيار نفسه، منتظرًا نتائج مختلفة.
فذلك لا يُعتبر تفاؤلًا سياسيًا، بل مراهقة فكرية عميقة، ومقلقة أكثر، خصوصًا حين تصدر عن مثقفين كان يُفترض أن يقرأوا المشهد الإقليمي قبل صناديق الاقتراع، وأن يروا الوطن كمسؤوليةٍ تاريخية، لا كمسرحٍ انتخابي.
فما العمل أمام خطرٍ وجودي يهدّد الكيان لا الحكومات؟
هنا، لا بدّ من أن نعترف بأنّ إدارة الانهيار ليست سياسة، وبأنّ الأدوات التي صنعت الخراب لا تبني وطنًا، وبأنّه صار لزامًا علينا أن نعيد بناء شبكات الأمان فعليًا وعمليًا، وتعليق كافة النقاشات والتحالفات الثانوية، ووضعها خارج نطاق بازار المساومات، وبناء قوة وطنية ضاغطة هدفها إنقاذ الدولة، لا تقاسم ما تبقّى منها.
وأيّ كلامٍ خارج هذا النطاق لا يُعتَبَر سياسة، بل ترفٌ خطابيّ في زمن الانهيار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى