رأي خاص

المحكمة العسكرية في صراع بين القانون، والمزاج السياسي


بقلم: أشرف خليل عبد الخالق

في لبنان، حيث تتشابك السياسة والأمن والقانون في نسيج معقد، تقف المحكمة العسكرية كخط دفاع حقيقي عن الدولة، ليس فقط عبر تطبيق نصوص القانون، بل من خلال ممارسة سلطة تقديرية دقيقة تسمح لها بموازنة الأمن والاستقرار مع العدالة. نشأت هذه المحكمة وفق قانون القضاء العسكري اللبناني رقم 24/1968، لتكون المرجع الرئيس للنظر في الجرائم التي تمس الجيش، الأمن العام، وحيازة الأسلحة، بما يضمن حماية الدولة من الفوضى وانتشار السلاح الفردي أو الجماعي.
هيكلية المحكمة واضحة: قضاة التحقيق العسكريين يتابعون الوقائع منذ بدايتها، والمحكمة العسكرية الدائمة تصدر الأحكام، بينما تمثل محكمة التمييز العسكرية أعلى سلطة قضائية، إضافة إلى دور مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية الذي يشبه النائب العام في القضاء العدلي. هذا التنسيق يعكس فلسفة المشرّع في إعطاء القضاء العسكري خبرة تقنية وسرعة تنفيذية ضرورية في بيئة سياسية وأمنية معقدة مثل لبنان.
القضايا المرتبطة بالأسلحة تشغل مكانة محورية أمام المحكمة العسكرية، مستندة إلى قانون الأسلحة والذخائر (المرسوم الاشتراعي رقم 137/1959)، حيث تنص المادة 72 على:
“يعاقب بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات وبالغرامة كل من أقدم دون ترخيص على صنع أو إصلاح أو الاتجار بالأسلحة والذخائر الحربية.”
لكن القانون اللبناني لم يكتفِ بتحديد العقوبات، بل أتاح للقاضي العسكري سلطة تقديرية عبر قانون العقوبات اللبناني، حيث تأتي المواد الأساسية على النحو التالي:
•المادة 181: تحدد اختيار وصف الجريمة إذا كان الفعل يحتمل عدة أوصاف، مع الأخذ بالوصف الأشد إذا ثبتت جميع الوقائع.
•المادة 254: تتيح للقاضي تخفيف العقوبة إذا وجدت المحكمة أسباباً مخففة، ضمن الحدود القانونية.
•المادة 259: تسمح باستبدال الحبس بالغرامة إذا كانت الظروف المخففة مستوفاة ومسموح القانون بذلك.
•المادة 72 من قانون الأسلحة والذخائر: تحدد العقوبة الأساسية على حيازة أو نقل أو تصنيع الأسلحة دون ترخيص.
☜المادة 254 و259 معاً: تكملان سلطة القاضي في ضبط التوازن بين العدالة والواقع الواقعي للمتهم، مع مراعاة الأمن العام.
هذه المواد مجتمعة تمنح المحكمة العسكرية قدرة مرنة على التعامل مع الوقائع: فهي تطبق القانون بحرفيته، لكنها تراعي الظروف المخففة التي قد تحول الحبس إلى غرامة أو تخفف العقوبة، دون أن تتجاوز نصوص القانون.
ومن هنا تنشأ الظاهرة السياسية الدقيقة: القاضي العسكري يطبق القانون ذاته في كل الحالات، لكن الأحزاب والمجتمع يفسرون الحكم بحسب مصالحهم ومزاجهم السياسي. إذا وافق الحكم مصالح الأغلبية أو المزاج السياسي العام، يتحول إلى دليل على كفاءة القاضي ونزاهة المحكمة العسكرية، أما إذا لم يرضِ الحكم أي حزب أو جهة سياسية، فإن نفس الحكم يصبح موضوعاً للنقد والتشكيك بالقضاء العسكري، رغم أنه صادر من جهة قضائية مستقلة تطبق القانون بدقة.
المرونة القانونية التي تمنحها المواد 181 و254 و259، بالإضافة إلى نصوص قانون الأسلحة، تجعل المحكمة العسكرية عدسة دقيقة لرصد التوازن بين القانون والأمن والمزاج السياسي. أي حكم يصدر هو مقياس حي لقدرة الدولة على إدارة الأمن، وتطبيق القانون، والتعامل مع الضغوط السياسية المتشابكة والمعقدة في لبنان.
وهكذا، يظهر أن المحكمة العسكرية ليست مجرد جهة قضائية، بل حارس للتوازن الدقيق بين القانون والواقع السياسي، حيث يمكن للسلطة التقديرية للقاضي أن تتحرك بحكمة داخل شبكة معقدة من الأمن والسياسة، بينما تظل الأحزاب تفسر الحكم وفق مصالحها، دون أن يكون هناك أي تواطؤ أو انحياز من جانب القضاء.
وفي ختام هذا التحليل، يبرز سؤال مفتوح يدعو إلى التفكير العميق: في ظل هذه الموازنة الدقيقة بين القانون، السلطة التقديرية للقاضي، وتفسير الأحزاب السياسية للأحكام، إلى أي مدى يمكن للقضاء العسكري أن يحافظ على استقلاليته وفعاليته بينما يتشابك مزاج القوى السياسية مع كل حكم يصدر؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى