الطائف بعد السلاح: هل حان زمن إلغاء الطائفية السياسية؟


وسيم فؤاد الأدهمي – خاص الفجر الجديد
حين جرى التوصل إلى اتفاق الطائف في خريف عام 1989، كان الهدف المعلن إنهاء الحرب الأهلية وإعادة بناء الدولة على أسس جديدة تعالج الاختلالات التي فجّرت لبنان. الاتفاق، الذي رعته المملكة العربية السعودية وحظي بغطاء عربي ودولي، نصّ على إعادة توزيع الصلاحيات بين الرئاسات، وترسيخ مبدأ المناصفة بين المسلمين والمسيحيين في البرلمان، لكنه أيضاً حمل بنداً أساسياً طالما جرى التغاضي عنه: إلغاء الطائفية السياسية، باعتبارها المدخل الوحيد لتأسيس دولة المواطنة الحقيقية.
على مدى أكثر من ثلاثة عقود، بقي بند السلاح بنداً شائكاً، سواء كان المقصود سلاح الميليشيات التي حُلّت شكلياً بعد الحرب، أو السلاح الفلسطيني وسلاح المقاومة. ومع كل حديث عن إصلاح أو تسوية، يتقدّم هذا البند ليؤجل غيره. غير أنّ السؤال الأعمق، والذي يزداد إلحاحاً، هو: ماذا بعد؟ فإذا ما جرى التوصل إلى صيغة حقيقية لإنهاء ملف السلاح ـ سواء بالدمج أو بالحوار أو بالترتيبات الإقليمية ـ فإنّ الاتفاق يعود إلى نصه الأصلي، أي إلى الاستحقاق المؤجل: إلغاء الطائفية السياسية.
هنا تبرز إشكالية الموارنة تحديداً، ليس لأنهم وحدهم متمسكون بالطائفية، بل لأن موقع رئاسة الجمهورية الذي يشغلونه منذ تأسيس لبنان يقوم على هذا التوازن الطائفي. التخلي عن الطائفية السياسية يعني عملياً أن رئاسة الجمهورية لن تكون محصورة بطائفة بعينها، وأن المعيار سيكون الكفاءة والديمقراطية العددية، وهو ما يُنظر إليه في أوساط مارونية واسعة بوصفه مساساً بالدور التاريخي الذي لعبته الطائفة في الكيان اللبناني. ومن هنا يُطرح التساؤل: هل يقبل الموارنة التنازل عن آخر امتياز جوهري ضمن بنية النظام؟
لكن المسألة ليست محصورة بالموارنة فقط، فالمنظومة كلها تعيش وتتغذى على الطائفية. بموضوعية نقول: زعامات إسلامية، سواء سنية أو شيعية أو درزية، لم تُبدِ في أي لحظة جدية فعلية في الدفع نحو إلغاء المحاصصة. فالطائفية بالنسبة لها ليست مجرد آلية انتخابية، بل أداة تحكم وتوزيع مغانم. من هنا يبدو تحميل الموارنة وحدهم مسؤولية المأزق نوعاً من الاختزال، لأن الجميع شريك في لعبة إبقاء لبنان رهينة للتوازنات الطائفية.
ومع ذلك، فإنّ قبول الموارنة بالانتقال إلى دولة مدنية غير طائفية يحمل رمزية مضاعفة، لأنهم كانوا دائماً الطرف الأكثر حساسية حيال فكرة الهوية والدور. القبول لا يعني انتحاراً سياسياً، بل ربما العكس: تجديداً لشرعية حضورهم من خلال الانخراط في مشروع وطني جامع يتجاوز منطق الغلبة العددية. فلبنان لا يمكن أن يُبنى على طائفة واحدة أو على أكثرية واحدة، بل على صيغة تضمن المساواة والعدالة للجميع.
اليوم، ومع انسداد الأفق الاقتصادي والسياسي، قد يكون إلغاء الطائفية السياسية المخرج الوحيد من دوامة الانهيار. لكنه يتطلب شجاعة جماعية، ورؤية أبعد من حسابات المقاعد والمناصب. ربما على الموارنة أن يسألوا أنفسهم: هل التمسك بالامتيازات الشكلية أفضل، أم الدخول في دولة مدنية تحفظ لهم ولغيرهم كرامة العيش المشترك؟
ختاما، إذا جرى حلّ معضلة السلاح فعلاً، فإنّ الكرة ستعود إلى ملعب النظام السياسي نفسه، وحينها لن يكون ثمة مهرب من مواجهة السؤال المؤجل منذ الطائف: هل يريد اللبنانيون، بكل طوائفهم، أن يكونوا مواطنين متساوين أم أسرى قفص المحاصصة؟




