إنها أزمة دولة لا قدر شعب

أحمد خالد يافاوي
٢٨ شباط ٢٠٢٦
نحن أمام أزمة وطنية واضحة المعالم لا تحتاج إلى توصيف إنشائي بل إلى تسمية دقيقة ومواجهة جدية.
غلاء معيشي وانفلات أسعار بلا رقابة، ضرائب غير عادلة تُفرض من دون خدمات مقابلة، بطالة وهجرة قسرية للشباب، وهجرة غير شرعية عبر حدود غير مضبوطة. فوضى في دخول الأجانب وإقامة غير منظمة تضغط على سوق السكن وسوق العمل. انهيار النظام الصحي وتهرّب مستشفيات من مرضى الضمان. تراجع التعليم وارتفاع أقساط المدارس. فقدان الأمن وانتشار السلاح والسرقات. فساد إداري ومالي وهدر للمال العام. أزمة كهرباء ومياه وسوء إدارة للموارد. تلوّث بيئي شامل. اقتصاد ريعي غير منتج. قوانين إسكان غير عادلة. وانعدام ثقة كامل بين المواطن والدولة.
أزمات ليست منفصلة، بل نتيجة مباشرة لغياب القرار، وغياب المحاسبة، وغياب الإدارة المنظمة.
ولأن الحلول ليست مستحيلة أبداً، بل تحتاج إلى دولة عازمة على التطبيق لا على التبرير، فإن البداية تكون بإرادة سياسية تضع المحاسبة أولاً، وتتعامل مع الحدود والاقتصاد والأمن كملفات سيادية لا كمجالات فوضى.
فالحلول تبدأ بالمحاسبة عبر قضاء مستقل ورفع الحصانات وربط كل مسؤول برقابة فعلية. بضبط الأسعار ومنع الاحتكار. بإصلاح ضريبي عادل يخفف العبء عن المواطنين. بتنظيم وضبط الحدود وإدارة دخول الأجانب وفق قوانين واضحة، ومكافحة الإقامة غير الشرعية. بتنظيم سوق العمل بما يحمي اليد العاملة اللبنانية. بفرض وتنظيم ضرائب إقامة قانونية توفّر مورداً ثابتاً للدولة بدل زيادة الضرائب على شعبها. بتأمين تغطية صحية شاملة وإلزام المستشفيات بالقانون. بدعم التعليم الرسمي وضبط الأقساط. بحصر السلاح بيد الدولة. بخطة طاقة ومياه مستدامة. بالانتقال إلى اقتصاد منتج يدعم الصناعة والزراعة. وبشفافية كاملة في الإنفاق العام.
إن ضبط وتنظيم الوجود الأجنبي تحديداً يحقق نتائج تخفف الضغط على سوق السكن، وتعيد التوازن إلى السوق العقاري، وتقلّص الاختلال السكاني غير المنظّم، وتستعيد فرص العمل المحتكرة، وتحدّ من التسول والعمل غير الشرعي، وتنظّم شؤون الإقامة قانونياً، وتوفّر عبر ضرائب الإقامة مورداً ثابتاً للدولة، وتقلّص معدلات الجريمة، وتمكّن الدولة من بسط أمنٍ أفضل، كما تعزّز الأمن الاجتماعي، وتسهّل الرقابة الإدارية، وتسمح بوضع سياسات سكانية واقعية مبنية على أرقام دقيقة، وتعيد توجيه الموارد العامة لخدمة المواطنين.
فالمشكلة ليست في غياب الحلول، بل في غياب القرار بتطبيقها. فإمّا دولةٌ تُنظّم حدودها واقتصادها ومؤسساتها بالرقابة والعدالة ومحاسبة مسؤوليها، وإمّا استمرارٌ للاستنزاف وشعبٌ يدفع ثمن فوضى دولته.




