الفجر الجديدرأي خاص

ما بعد الصور… إلى من يهمه الأمر

بين الوجوه المعلّقة على الجدران، وبين الشعارات التي تتزاحم في شوارع المدينة وتنافس ضجيج الحياة اليومية، يقف المواطن العادي، مثلي ومثل كثيرين، لا متأملاً في ما يُعرض عليه، بل متفكرًا في ما فُقد منه؛ في الكرامة، في الأمل، في القدرة على تصديق أحد. فمع كل موسم انتخابي، تتبدل الألوان، وتتغير الشعارات، وتُعاد صياغة الأحلام، لكن الألم باقٍ، والمعاناة باقية، والسؤال نفسه يُطرق بإلحاح: من منكم سيحمل همّ الناس فعلاً، لا قولًا؟

أيها المرشحون الكرام، لستم بحاجة لمصممي جرافيك كي يقنعونا، ولا لمطابع ليلية تُنزل صوركم بأحجام تُغطي الأفق. كثافة ملصقاتكم ليست مقياسًا لحجم إنجازاتكم، ولا فخامة الصور تدل على عمق التزامكم. فكم من وجهٍ رأيناه في كل زاوية، ثم لم نره يوم كنا بأمسّ الحاجة إليه؟ وكم من ابتسامة وُزعت على اللوحات، بينما وجوه أصحابها غابت عن مشهد المواجهة مع الأزمات؟

لقد مللنا الاستعراضات، وخُدعنا كثيرًا بالمهرجانات الكلامية. المواطن لم يعد يتطلع إلى خطابات محشوة بالأمنيات، بل يبحث عن أفعال تشبه آلامه، وقرارات نابعة من صميم معاناته. نحن نعيش في مدينةٍ أنهكتها الحفر التي لا تُردم، والمدارس التي تتآكل كرامة طلابها قبل جدرانها، والمستشفيات التي تفتقر لأبسط مقومات الحياة. نعيش في وطنٍ أنهكه الفقر والبطالة، وقتلت روحه المحسوبيات، واستنزف نبضه الفساد، وعزل كرامته الجوع، وأدماه الفلتان الأمني، والعبث بمقدراته.هذه المدينة لا تريد منكم بيانات صحفية، ولا شعارات منمقة، بل ضميرًا يقظًا يسمع أنينها في الليل، ويفكر في حلول لا في حسابات انتخابية. نريد من يسأل نفسه قبل أن يسأل الناخبين: ماذا قدّمت؟ من ساعدت؟ ما الذي غيّرته؟ لا تسألونا عن تأييد، بل دعونا نحن نسأل عن التزام.

أين كنتم حين انقطعت الكهرباء في أحياءٍ بأكملها لساعاتٍ بل لأيام؟ أين كان تحرككم عندما تحولت المياه إلى رفاهية موسمية؟ من منكم زار شارعًا مكسورًا دون عدسات كاميرا؟ ومن منكم سمع صوت الجائع دون أن ينتظر تصفيق جمهور؟ أخبرونا عمّا فعلتم، لا عمّا ستفعلونه. حدّثونا بالأرقام، بالشواهد، بالأثر. فقد تعب الناس من سماع الخُطب، وهم لم يروا منها سوى الصدى.

السياسة، إن كنتم تفقهونها، ليست مجالًا لفرض السيطرة ولا منصة لتكريس الذات. هي مسؤولية ثقيلة، تبدأ بخدمة الناس، وتنتهي بخدمتهم أيضًا. أن تكون ممثلًا عن الشعب، يعني أن تنسى اسمك أحيانًا لتتذكّر أسماءهم، أن تتخلى عن مصالحك لتدافع عن مصالحهم، أن تكون انعكاسًا لهم لا متعاليًا فوقهم.نحن لا نبحث عن زعيم جديد، بل عن خادم نزيه. لا نريد من يُتقن الخطابة، بل من يُتقن الإصغاء. نريد من يرى في المنصب أمانة لا مغنمًا، ومن يعتبر يوم انتخابه بداية لمشوار العمل، لا نهاية للمنافسة.

في بلدٍ يعتاد الأزمات، ويكاد يصبح الفشل فيه أمرًا طبيعيًا، نحتاج إلى رجال ونساء يملكون القدرة على المواجهة، لا على التبرير. من يُعدّ خطط الطوارئ لا من يُحمّل المسؤولية للقدر. نريد من يملك شجاعة الاعتراف بالقصور، وسرعة التحرك عند الانهيار، ويدًا لا ترتجف حين يُستغاث بها.لذلك، وللمرة الألف، نكررها: من لا يلامس همّ الناس، لا يستحق أن يكون ممثلهم. ومن لا يرى في وجع الناس أولوية، لن يراهم أبدًا إلا كأرقام في صناديق الاقتراع.

إلى من يترشح اليوم… مدينتنا لا تنتظر صوركم، بل أفعالكم.فكونوا بقدر الوجع، إن أردتم أن تكونوا بقدر الثقة.

#سمرقرة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى