قانون الانتخاب اللبناني: مرآة الصراع أم آلية الإصلاح؟

وسيم فؤاد الأدهمي
خاص- الفجر الجديد
في بلد يتقن فن تدوير الأزمات بدل حلّها، تحوّل قانون الانتخاب في لبنان من أداة لتنظيم العملية الديمقراطية، إلى ساحة اشتباك دائمة بين القوى السياسية والطائفية. فهو ليس مجرد نص قانوني يُحدّد كيفية الاقتراع وتوزيع المقاعد، بل خارطة نفوذ، تُرسم بعناية لضمان بقاء التوازنات الراهنة، مهما كانت كلفتها على التمثيل الشعبي.
منذ لحظة ولادته، لم يُصغ القانون الانتخابي اللبناني ليكون عادلاً أو عصرياً، بل صُمم كي يعكس البنية الطائفية للسلطة، ويُعيد إنتاجها عند كل دورة انتخابية. ومع كل محاولة لتعديله، يُفتح باب جديد للتجاذب، لا على خلفية تطوير النظام، بل بهدف تحسين شروط المعركة السياسية للطرف الأقوى في اللحظة الراهنة.
اليوم، يعود النقاش حول القانون الانتخابي إلى الواجهة، وسط همس علني في كواليس السياسة، عن تعديلات تطال طبيعة الدوائر، وآلية الصوت التفضيلي، والأهم: حق المغتربين في التصويت.
هذه المسألة الأخيرة، أي تصويت اللبنانيين المقيمين خارج البلاد، تحوّلت إلى نقطة توتر حقيقية، بعد أن أظهرت نتائج انتخابات 2022 توجهاً واضحاً لدى المغتربين لدعم قوى التغيير والمرشحين المستقلين. أكثر من 140 ألف ناخب في الاغتراب شاركوا في تلك الانتخابات، وهو رقم غير مسبوق، لكنه كان كفيلاً بترهيب الأحزاب التقليدية، التي رأت في هذا الحضور خطراً على نفوذها التاريخي.
تحت هذا العنوان، تجدد الجدل حول المادة التي تنص على تخصيص ستة مقاعد للمغتربين، كان يُفترض تفعيلها منذ الدورة الماضية، وفق قانون 2017. غير أن هذا التفعيل تعثر، وسط انقسام سياسي حاد، دفع بعض الكتل إلى المطالبة بإلغاء هذه المادة، والإبقاء على حق المغتربين في الاقتراع للنواب الـ128، بدلاً من حصر تصويتهم بمقاعد “منفصلة”. المبادرة وصلت إلى حد توقيع أكثر من 63 نائبًا على عريضة لتعديل القانون، إلا أن رئيس المجلس النيابي نبيه بري رفض إدراجها على جدول الأعمال بحجة عدم تسلّمه النسخة النهائية، ما أدى إلى انسحاب بعض النواب، في محاولة لإسقاط الجلسة بفقدان النصاب. المفارقة أن عدداً من نواب “قوى التغيير” عادوا إلى الجلسة لاحقاً، كما لو أن شيئاً لم يحدث.
في خلفية هذا السجال، تبرز حسابات طائفية دقيقة. فالأحزاب المسيحية الكبرى ترى في المغتربين خزانًا انتخابياً يُعوّض التراجع الديموغرافي في الداخل، بينما تتحسس قوى أخرى من أي تغيير يُحدث اختلالاً في موازينها، خصوصاً إذا جاء من خارج “البيئة المحلية”. وتتضاعف المخاوف حين يُطرح تأثير دول الاغتراب—مثل الخليج وأوروبا وأميركا—على خيارات الناخبين، سواء عبر الضغط السياسي أو النفوذ الثقافي.
لكن السؤال الأكبر: هل يخشى السياسيون المغتربين لأنهم “خطر ديموغرافي”، أم لأنهم أكثر تحرراً من القيود المذهبية والحسابات الضيقة، وبالتالي، أكثر ميلاً لمنح أصواتهم لمن يتحدث بلغة المواطنة لا الولاء؟ في الحالتين، يبدو الصوت الاغترابي بمثابة اختبار حاسم لقدرة النظام اللبناني على استيعاب التغيير.
في موازاة هذا المشهد الداخلي المرتبك، تستمر الضغوط الخارجية على لبنان، من عواصم القرار وصناديق الدعم، للمضي في إصلاحات حقيقية تشمل النظام الانتخابي. غير أن الطبقة السياسية تُدرك أن أي قانون انتخابي عادل قد يكون بداية النهاية لامتيازاتها. لذلك، فإنها تميل إلى تعديل القوانين بما يحافظ على الجوهر نفسه، ويُجمّله فقط بما يكفي لامتصاص النقد الدولي.
الحقيقة المُرّة أن أي قانون انتخابي في لبنان لا يُمكن فصله عن بنيته السياسية المهترئة. فلا هو ضامن للمحاسبة، ولا هو أداة للتغيير، بل هو انعكاس لنظام يبحث في كل دورة عن كيفية تأبيد نفسه، لا كيفية تجديد شبابه.
في الختام، يبدو أن الخلاف على تعديل القانون لا يدور حول تحسين الديمقراطية، بل حول هوية من يملك حق تعديل قواعد اللعبة. وبين دعوات الإصلاح الحقيقية، ومخاوف الانفجار الكامنة، يبقى المستقبل مرهوناً بقدرة اللبنانيين، في الداخل والانتشار، على كسر القيد الذي يحوّل القانون من أداة تمثيل إلى قيد طائفي مغلّف ببريق الديمقراطية.




