رأي خاص

لبنان بين أمن الخليج وخيار الحياد: هل آن أوان الكلمة العربية الواحدة؟


بقلم: باسل هيثم كبارة

في ظلّ التحوّلات العاصفة التي تشهدها المنطقة، ومع تصاعد التوترات العسكرية والسياسية، يصبح من الضروري إعادة التأكيد على تضامننا الكامل مع الدول الخليجية الشقيقة في مواجهة أي اعتداء أو تهديد يمسّ أمنها واستقرارها، ولا سيما الهجمات الإيرانية التي تشكّل انتهاكًا واضحًا لسيادة الدول ولمبادئ القانون الدولي. إن أمن الخليج العربي لم يكن يومًا مسألة جغرافية محصورة، بل هو عنصر أساسي في معادلة الاستقرار الإقليمي، وأي خلل فيه ينعكس مباشرة على مختلف دول المنطقة، وفي طليعتها لبنان الذي لطالما كان الحلقة الأضعف في صراعات المحاور.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن التمدد الإيراني في المنطقة، سواء عبر أدوات عسكرية مباشرة أو من خلال أذرع سياسية وأمنية، لم يؤدِّ إلا إلى تعميق الانقسامات وتعزيز منطق المواجهة المفتوحة. وفي المقابل، فإن أي تصعيد عسكري ضد دول الخليج لا يمكن قراءته إلا كجزء من صراع أوسع على النفوذ، تتداخل فيه الحسابات الدولية والإقليمية، وتدفع شعوبه أثمانًا باهظة. من هنا، فإن التضامن مع الخليج ليس موقفًا ظرفيًا أو عاطفيًا، بل هو قراءة واقعية لمصالح مشتركة ومصير مترابط.
إن أمن الخليج العربي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالاقتصاد الإقليمي، بممرات الطاقة، وباستقرار الأسواق العالمية. وأي تهديد لهذه المنظومة لا ينعكس فقط على الدول المعنية مباشرة، بل يطال الجميع. لبنان، الذي يعتمد تاريخيًا على عمقه العربي، وعلى تحويلات أبنائه في الخليج، لا يمكنه أن يتجاهل هذه الحقيقة. إن أي توتر في الخليج ينعكس فورًا على اقتصاده، على فرص عمل مواطنيه، وعلى استقراره الاجتماعي. لذلك فإن الموقف الواضح إلى جانب أمن الخليج هو أيضًا دفاع عن المصلحة اللبنانية المباشرة.
لكن، في موازاة ذلك، تبرز مسألة أكثر جوهرية: موقع لبنان في هذه المعادلة. لقد عانى لبنان طويلًا من ارتهانه لمحاور إقليمية متصارعة، وجرّب الانخراط في صراعات لا طاقة له على تحمّل تبعاتها. وكانت النتيجة عزلة عربية، توترًا داخليًا، وأزمات سياسية واقتصادية متلاحقة. إن التجربة أثبتت بما لا يقبل الشك أن سياسة المحاور لم تحمِ لبنان، بل زادت هشاشته، وعرّضته لضغوط خارجية وانقسامات داخلية.
من هنا تبرز الحاجة الملحّة إلى إعادة طرح خيار الحياد الإيجابي كخيار سيادي بامتياز. الحياد لا يعني التخلي عن القضايا العربية، ولا يعني الانسحاب من التضامن الأخلاقي والسياسي مع الأشقاء، بل يعني تحييد لبنان عن الصراعات العسكرية والمواجهات الإقليمية، وحصر قرار السلم والحرب بمؤسساته الشرعية وحدها. الحياد الإيجابي يعني أن يكون لبنان دولة طبيعية، ذات سيادة كاملة، لا منصة لتصفية الحسابات، ولا ورقة ضغط في صراع الآخرين.
ولو عدنا خطوة إلى الوراء، وطرحنا سؤالًا افتراضيًا: ماذا لو كان هناك اتحاد عربي حقيقي، بموقف سياسي وأمني موحّد، في مواجهة الاعتداءات والتهديدات الإقليمية؟ ماذا لو التزمت الدول العربية جميعها باستراتيجية دفاعية مشتركة، وبموقف واحد لا لبس فيه تجاه التدخلات الخارجية، سواء كانت إيرانية أو غيرها؟ لا شك أن موازين القوى كانت ستختلف، وأن مساحة المناورة أمام القوى الإقليمية كانت ستضيق، وأن منطق الاستفراد بكل دولة على حدة كان سيتراجع.
إن التجارب التاريخية أظهرت أن الانقسام العربي هو المدخل الأساسي لتكريس النفوذ الخارجي. وعندما يغيب الصوت الموحد، تصبح كل دولة عرضة للضغط منفردة، وتتحول المنطقة إلى ساحة صراع مفتوح. أما لو كانت هناك كلمة عربية واحدة، مبنية على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل للسيادة، لكان بالإمكان بناء توازن إقليمي يحمي الجميع، ويمنع الانزلاق إلى حروب بالوكالة.
وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل التحولات التي شهدتها المنطقة في السنوات الأخيرة، ومنها توقيع ما عُرف بـ اتفاقيات أبراهام، التي انخرطت فيها دول مثل الإمارات العربية المتحدة. وبغضّ النظر عن المواقف المؤيدة أو المعارضة لهذه الاتفاقيات، فإنها تعكس واقعًا عربيًا منقسمًا في مقاربته لملفات الأمن الإقليمي والعلاقات مع إسرائيل. السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل كان يمكن لمسار مختلف، قائم على تنسيق عربي أشمل وأعمق، أن ينتج معادلة إقليمية أكثر توازنًا، تحفظ الحقوق العربية وتعزز الاستقرار في آن واحد؟
إن النقاش لا يجب أن يُختزل في شعارات، بل ينبغي أن يُبنى على رؤية استراتيجية واضحة: ما الذي يخدم استقرار المنطقة على المدى الطويل؟ هل هو تعدد المحاور والتنافس بينها، أم بناء منظومة تعاون عربي متكاملة، سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا؟ التجربة تشير إلى أن التشرذم أضعف الجميع، بينما أثبتت التكتلات الإقليمية في مناطق أخرى من العالم أن الوحدة أو التنسيق العميق يمنح الدول الصغيرة والمتوسطة قدرة أكبر على حماية مصالحها.
بالنسبة إلى لبنان، فإن الدرس أكثر وضوحًا. دولة صغيرة، ذات تركيبة داخلية حساسة، واقتصاد هش، لا يمكنها أن تتحمل أعباء صراعات كبرى. كل مرة انخرط فيها لبنان في محور إقليمي، دفع الثمن من استقراره الداخلي، ومن علاقاته العربية، ومن اقتصاده. لذلك فإن استعادة موقعه الطبيعي تمرّ حتمًا عبر تثبيت مبدأ الحياد الإيجابي، وتعزيز علاقاته العربية على قاعدة الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.
إن تضامننا مع دول الخليج في مواجهة أي اعتداء إيراني لا يتناقض مع الدعوة إلى خفض التصعيد والحوار، بل يكمله. فالدفاع عن السيادة لا يعني الدعوة إلى الحرب، بل يعني رفض منطق فرض الأمر الواقع بالقوة. وفي الوقت نفسه، فإن تمسك لبنان بسيادته وحياده هو رسالة واضحة بأنه لا يريد أن يكون جزءًا من أي صراع، بل يسعى إلى لعب دور الجسر بين الشرق والغرب، بين العرب والمجتمع الدولي.
لو كانت هناك إرادة عربية جامعة، ولو وُضعت المصالح المشتركة فوق الحسابات الضيقة، لكان بالإمكان رسم مشهد إقليمي مختلف: مشهد تتراجع فيه الحروب بالوكالة، وتُحلّ النزاعات عبر الأطر الدبلوماسية، وتُبنى فيه شراكات اقتصادية تعزز الازدهار بدل سباقات التسلح. وربما عندها، لما وصلنا إلى هذا المستوى من التوتر الذي يهدد الجميع، من الخليج إلى لبنان.
إن استقرار لبنان لا ينفصل عن استقرار محيطه العربي، كما أن قوة الخليج هي عنصر دعم أساسي له. لكن الحماية الحقيقية للبنان تبدأ من الداخل، من دولة قوية، واضحة التموضع، تحصر قرارها السيادي بمؤسساتها، وتحافظ على أفضل العلاقات مع عمقها العربي. فلا استقرار بلا سيادة، ولا سيادة بلا قرار مستقل، ولا قرار مستقل بلا تحييد حقيقي عن صراعات الآخرين.
بهذا المعنى، فإن التضامن مع الخليج هو موقف أخلاقي وسياسي يعكس إدراكًا لوحدة المصير، وتمسّكنا بحياد لبنان هو واجب وطني يحمي مستقبله. وبين هذين البعدين، تتحدد ملامح الطريق نحو دولة لبنانية قوية، منفتحة على محيطها العربي، قادرة على حماية شعبها، وواضعة مصلحته فوق أي اعتبار آخر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى