لبنان في الفكر الديني الصهيوني: تفكيك وهم “التحريم” وكشف إستراتيجية الاستيطان الصامت

بقلم الباحث: أشرف عبد الخالق
تتكرّر في بعض الخطابات اللبنانية والعربية فكرة أن إسرائيل لا تبدي اهتمامًا بالأراضي اللبنانية، أو أن هناك “رادعًا دينيًا” يمنعها من السعي إلى استيطان الجنوب اللبناني. غير أن قراءة معمّقة للنصوص التوراتية، ولأدبيات الحاخامات الصهاينة، تُظهر عكس ذلك تمامًا. هذا المقال يسعى إلى تفكيك هذا “الوهم الدفاعي”، عبر تحليل النصوص التأسيسية للفكر الديني اليهودي، ومقارنتها بالممارسات السياسية والأمنية الإسرائيلية في لبنان.
أولًا؛ النص التوراتي يحدّد لبنان ضمن “أرض الميعاد”ورد في سفر يشوع 1:4: “من البرية ولبنان هذا إلى النهر الكبير نهر الفرات… يكون تخمكم.”
وفي سفر التثنية 11:24: “كل موضع تدوسه بطون أقدامكم يكون لكم، من البرية ولبنان، من نهر الفرات إلى البحر الغربي يكون تخمكم.”تُحدّد هذه النصوص بوضوح أن لبنان يقع ضمن التخوم الجغرافية لما يُعرف بـ”إيرتس يسرائيل”، أو أرض إسرائيل الكبرى.
هذه الآيات تُستخدم في أدبيات صهيونية معاصرة لتبرير توسّع نفوذ الدولة الإسرائيلية خارج حدود 1948، ولا سيّما في الاتجاه الشمالي الشرقي.
ثانيًا؛ “نجاسة الأرض” وسردية التطهير الديني:
في سفر اللاويين 18:24-25:”لا تتنجّسوا بشيء من هذه الأمور، لأن جميع هذه قد تنجّس بها الأمم الذين أنا طاردهم من أمامكم، فتنجّست الأرض، فافتقدت إثمها، فلفظت الأرض سكانها.”وبحسب هذا النص، الأرض لا تتنجّس بذاتها، بل بسلوك سكانها. وبما أن الكنعانيين في النص التوراتي كانوا وثنيين، فقد اعتُبر سلوكهم سببًا لـ”لفظهم”.
هذه الرؤية تُستخدم اليوم في بعض التيارات الدينية الصهيونية لتبرير طرد غير اليهود من الأرض “المقدسة”، باعتبارهم مفسدين لتوازنها الروحي.
الحاخام إيلي بن دهان (نائب وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق) قال في مقابلة سنة 2013: “غير اليهود ليسوا بشراً مثلنا… هم مثل الحيوانات… وجودهم يُدنّس قداسة الأرض.
“ثالثًا؛ لبنان في خطاب الصهيونية الدينية المتطرفة:
الحاخام المتطرف مائير كاهانا، مؤسس حركة “كاخ” الإرهابية، دعا صراحة إلى إخلاء لبنان من سكانه غير اليهود، معتبرًا إياه جزءًا لا يتجزّأ من أرض الميعاد. في كتابه “They Must Go” (1981)، كتب: “لن تستقر الروح الإلهية في أرض إسرائيل طالما هي ملوّثة بالأغيار…
لبنان جزء من هذه الأرض، وسكانه غرباء.”رؤية كاهانا لم تختفِ، بل أعاد تبنّيها حاخامات آخرون مثل الحاخام تسفي يهودا كوك، الذي اعتبر أن كل شبر من “الأرض الموعودة” يجب أن يُطهَّر من الغرباء.
رابعًا؛ التلمود والعهد الثلاثي
وهم التحريم: يستند بعض المدافعين عن “تحريم” احتلال لبنان إلى ما ورد في التلمود البابلي (كيتوبوت 111أ) عن “العهد الثلاثي”، الذي يقول إن الله فرض على بني إسرائيل:
1. ألا يصعدوا جماعة إلى الأرض.
2. ألا يتمرّدوا على الأمم.
3. ألا يُذلّهم العالم أكثر من اللازم.
لكن الصهيونية الدينية الحديثة (مثل تيار “غوش إيمونيم”) رفضت هذا التقييد، واعتبرت أن قيام دولة إسرائيل سنة 1948 هو “أتشلتاه ديغيئولا” (بداية الخلاص)، ما يُسقط العمل بهذا العهد.الحاخام إسحاق غينزبورغ، أحد منظّري الفكر التوراتي المتطرّف، قال: “العهد لا يقيّدنا اليوم، لأن الرب قد أعاد ملكه إلى صهيون.”
خامسًا؛ الاستيطان الأمني بدلًا من المدني
نموذج جنوب لبنان
رغم عدم بناء مستوطنات مدنية في جنوب لبنان، فإنّ إسرائيل أنشأت ما يمكن اعتباره “مستوطنات أمنية مؤقتة” خلال احتلالها بين 1982 و2000، عبر:
•إنشاء الشريط الحدودي.
•دعم جيش لبنان الجنوبي بقيادة أنطوان لحد.
•بناء قواعد عسكرية ونقاط مراقبة متقدّمة.هذا النموذج يندرج ضمن مفهوم “الاستيطان الصامت”: السيطرة الاستراتيجية دون الحاجة لتجمّع سكني.
في الختام إن الوعي هو خط الدفاع الأول: الادعاء بأن إسرائيل لا تُبدي طموحًا دينيًا تجاه لبنان هو خطأ تحليلي قاتل.
فالنصوص التوراتية واضحة، والخطابات الحاخامية المتطرفة صريحة، والممارسة الميدانية تُظهر نية دائمة للهيمنة على الجنوب اللبناني كجزء من الفضاء الإسرائيلي التوراتي-الاستراتيجي.
الخطورة لا تكمن فقط في بناء المستوطنات، بل في تفريغ الأرض من مقوّماتها الحضارية والمقاوِمة، عبر نشر الفوضى، تفكيك المجتمع، وتغذية الانقسامات.
إن المعركة مع إسرائيل لا تبدأ عند الحدود، بل عند حدود الوعي.




