خاص الفجر الجديدرأي خاص

د. سلطان يضع إصبعه على الجرح: وطن النجوم ؟

بقلم: وسيم فؤاد الأدهمي

قرأت مقالة د. محمد سلطان بتمعّن، وشعرت أن كلماته ليست مجرد تشخيص لواقع لبناني بائس، بل صرخة عميقة تمسّ كل مواطن يعيش على هذه الأرض المثقلة بالأزمات. بالفعل، لم يعد الخوف في لبنان مرتبطاً بالقذائف ولا بالاعتداءات الإسرائيلية فحسب، بل صار الخوف من يومياتنا البسيطة: من فاتورة كهرباء لا تأتي معها كهرباء، ومن دواء مفقود، ومن مدرسة تتحوّل إلى عبء مالي، ومن بيت يُهدّد صاحبه بالطرد بسبب الغلاء.

إن ما أشار إليه الدكتور سلطان من فساد وهدر ونهب منظّم، يختصر جوهر الكارثة التي نعيشها. مليارات أُهدرت على مشاريع لم نرَ منها سوى الوعود. كهرباء “البواخر” لم تضيء منازلنا، ومصانع النفايات بقيت حبراً على ورق، والطرقات لا تشبه سوى الحفر التي صنعها الإهمال. هذه ليست مجرد ملفات تقنية، بل هي قصص حياة مسروقة من اللبنانيين، وجرح غائر في ذاكرة الوطن.

لكن ما يجعل كلامه يلامس الحقيقة بعمق هو أن الخوف الأكبر لم يعد من الحروب، بل من الحياة نفسها. أن يخاف المواطن من غده أكثر مما يخاف من موته، هذه معادلة لم يعرفها اللبناني من قبل. الحرب كانت دائماً عدوّاً واضحاً، أما اليوم فالعدو متخفٍّ في جيوب السياسيين، في فساد المؤسسات، وفي صفقات النخبة التي تتقاسم الغنيمة بينما يُترك الشعب في العراء.

في المقابل، أرى أن الصورة ليست مكتملة إذا توقّفنا عند الجانب المظلم فقط. فلبنان ما زال ينبض بقدرة أبنائه على المقاومة اليومية للواقع.
المبادرات الفردية والجماعية التي نراها في القرى والمدن، والتمسّك بالحياة رغم الخراب، كلها دلائل على أن هذا البلد لم يمت بعد. صحيح أن السياسيين قد ينهشون بعضهم إذا فرغت موائد الشعب، كما وصف د. سلطان، لكن قبل ذلك سيبقى هناك جيل يرفض أن يترك لبنان ساحة فارغة.

لبنان لن يعود “وطن النجوم” إذا انتظرنا السياسيين كي ينهضوا به، بل حين يقرر أبناؤه أن يرفعوا الصوت، ويعيدوا بناء وطنهم من القاعدة لا من القمة. فالتاريخ لن يكتب عن مرحلة الانهيار كقدرٍ محتوم، بل كاختبار لمدى قدرة اللبناني على الصمود وإعادة التأسيس.

إن التعقيب على ما كتبه الدكتور سلطان لا يضيف جديداً بقدر ما يؤكد أن التشخيص الدقيق يجب أن يقترن بالفعل. فالكلمات الصادقة قد تضيء الطريق، لكن وحدها الإرادة الشعبية قادرة على أن تزيل الضباب الأسود وتعيد للبنان هويته. سيعود لبنان وطناً للنجوم لا حين نتذكر الماضي فقط، بل حين نصنع مستقبلاً يليق بتضحيات الناس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى