رأي خاص

صُداع باب المندب وتصدُّعات التحالف الخليجي!

علي شندب                                                                                  

لم تزل سيطرة “حركة أنصار الله” اليمنية على “باب المندب”، الحدث والخبر الأول الذي يوازي بمفاعيله إحكام إيران سيطرتها على مضيق هرمز. وعلى الرغم من أنّ عملية السيطرة على باب المندب لم تكن من خارج صندوق التوقّعات، فقد أحدثت زلزالًا استراتيجيًّا لم تزل تداعياته تتفاعل في رسم واقع جيوسياسي جديد!.

بهذا المعنى يمكن مقارنة زلزال باب المندب بزلزال إسقاط نظام بشّار الأسد وسيطرة “هيئة تحرير الشام” على دمشق. وإذا كان زلزال إسقاط نظام الأسد قد نقل سوريا استراتيجيًّا من موقع إلى نقيضه، فإنّ زلزال باب المندب بكونه أحد أبرز شرايين الطاقة وسلاسل الإمداد في العالم، قد ظهرت مفاعيله إقليميًّا ودوليًّا فضلًا عن تغيير خريطة النفوذ والسيطرة داخل اليمن.

وفيما أصاب زلزال سوريا “محور إيران” بمقتل استراتيجي كبير، فقد أطاح زلزال باب المندب بالنشوة التي أحدثها زلزال سوريا، سيّما أنّه وضع منطقة الخليج والسعودية خاصة أمام تحدّيات خطيرة وغير مسبوقة، خصوصًا إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أنّ اليمن يمتلك تعدادًا سكانيًّا يتجاوز 42 مليون نسمة، ويُشكّل أكبر مساحة جغرافية بعد السعودية، وهذه عناصر قوّة لا يمكن إغفال أبعادها الاستراتيجية التي كان الرئيس الرّوسي السابق دميتري ميدفيديف أوضح من استشرفها بقوله: “… إلى مضيق هرمز، تمتلك إيران سلاحًا استراتيجيًّا احتياطيًّا اسمه باب المندب”.

انعكس تصدّع التحالف الخليجي على التحالف الهجين في مجلس القيادة اليمني

سبق السيطرة الحوثية على باب المندب، تصدّع خطير في جبهة التحالف الخليجي الداعم لحكومة مجلس القيادة اليمني برئاسة رشاد العليمي، وتتّخذ من الرياض مقرًّا لها. تصدّعٌ أكثر ما عبّر عنه بانقلاب “المجلس الانتقالي الجنوبي” بقيادة عيدروس الزبيدي المدعوم من الإمارات، على مجلس القيادة اليمني المدعوم من السعودية التي سارعت إلى تهديد المجلس الانتقالي بالقوة الخشنة السعودية وإجباره على الانسحاب من محافظتي حضرموت والمهرة، واستتبع ذلك بطلب سعودي بلسان مجلس القيادة اليمني من الإمارات بسحب قواتها من اليمن ومغادرته، ما ظُهّر بمثابة إهانة استراتيجية تلقّتها الإمارات من الشقيقة الكبرى السعودية، وقد واكب هذه الوقائع الخطيرة حملات تخوينيّة متبادلة بين أوساط الطرفين.

وقد انعكس تصدّع التحالف الخليجي خصوصًا بين الإمارات والسعودية وتناقض الأجندات البينية وأهداف النفوذ والسيطرة، على التحالف الهجين من القبائل والمدن اليمنية المنخرطة في مجلس القيادة اليمني، ما ولّد تعدّدًا في المرجعيات القبلية والسياسية والمصلحية، وأحيا في الوقت عينه، عوامل تقسيم اليمن ليس بين الشمال والجنوب، وإنّما داخل الجنوب نفسه، ما يشكّل خطرًا على الأمن القومي السعودي!.

Bottom of Form

أمام تفشّي حالة التصدّع في معسكر تحالف الشرعية اليمنية، بدت “حركة أنصار الله” وحكومة صنعاء التابعة لها، كإطار مرجعيّ موحّد استطاع خلال سنوات قليلة بناء قوات مسلّحة مرتكزة بالدرجة الأولى على ما تختزنه صنعاء والجيش اليمني السّابق زمن علي عبد الله صالح، من ترسانة صاروخية وعسكرية وخبرات تصنيعيّة متمركزة في بواطن الجبال.

كما استطاع الحوثيّون تطوير الكثير من القدرات العسكرية وإعادة هيكلة وتشكيل مجاميعهم المسلّحة، من دون إغفال الخبرة النوعية التي رفدتهم بها إيران وخبراء حزب الله اللبناني، لكن التطوّر اللافت هو ما كشفته مؤخرًا شركة “أنثروبيك” الأميركية عن وجود خليّة حوثيّة تعمل على ثلاثة برامج لتطوير الأسلحة بواسطة برنامج “كلود” للذكاء الاصطناعي، والأخطر ممّا سبق هو النجاح الاستخباراتي الحوثي مقابل إخفاق القوى الموالية للسعودية.

ولعلّ صمود وقف إطلاق النار بين الأميركيين والحوثيين خلال انخراطهم في إسناد غزّة، عزّز قنوات التواصل بين الجانبين، وشكل إعلان ترامب أنّ “الحوثيين لا يرغبون في قتال الأميركيين”، عنصرًا مفاجئًا للسعودية سيّما أنّ اتصالَيْ ولي العهد السعودي بترامب لم يؤمّنا انخراطه في مقاتلة الحوثيين.

من أهداف إدارة الظهر الترامبية لتطوّرات باب المندب، تكبير الضغط والكلفة السياسية على السعودية وإجبارها على التطبيع كمقدّمة للدفاع عنها وفق تحالف إقليمي دولي بمشاركة إسرائيل، وليس عبر “اتفاقيّة مكّة” الموقّعة مع تركيا وباكستان، الأمر الذي لم يحصل بعد تطوّرات باب المندب والقصف السعودي الحوثي المتبادل.

توازيًا مع عدم تفعيل اتفاقيّة مكة الثلاثية، والتي يُرجّح غياب مصر عنها، بخلاف ما سبق وأوحت به اجتماعات وزراء الخارجية الرباعية، زار ولي العهد السعودي القاهرة وتباحث مع الرئيس المصري في ملفات المنطقة وخصوصًا البحر الأحمر الذي له بوّابتان باب المندب وقناة السويس. إنها الزيارة التي استعادت ظروفًا مشابهةً، عندما تدخلت مصر لصالح السعودية ضدّ النظام الإمامي اليمني عام 1962 وخرجت منها بخسائر كبيرة، وعمل الإعلام المصري على إبرازها توازيًا مع زيارة ولي العهد السعودي.

أغلب الظنّ أنّ مصر التي لم تشر بأصابع الاتهام إلى الجهات الضالعة في تفجير سفينة دمياط، سوف لن تكرّر تجربة عبد الناصر وخسائرها الكارثية في اليمن، بل ستنحو باتجاه تفعيل الديبلوماسية ربطًا بوقف الحرب الأميركية – الإيرانية “بعد الانتخابات النصفية الأميركية” كما يُردّد ترامب.. وحتّى ذلك الوقت ستجري مياه ودماء كثيرة، وسيُصاب الأمن الإقليمي بمزيد من التحلّل والتصدّع!.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى