الفجر الجديد

طرابلس بين خطاب الدين الزائف وحقيقة المسؤولية

بقلم سمرقرة

طرابلس مدينة العلماء والفقهاء، مدينة المساجد والمآذن، تعود لتتصدر الأخبار. طبعًا الموضوع لم يكن بإنجاز حضاري أو نهضة اجتماعية، هذه المرة المليون وكالعادة بجدل عقيم حول حفل غنائي سيقام الليلة في معرض رشيد كرامي الدولي في المدينة. حيث خرجت بعض الأصوات لترفعَ شعار “الدين”، ولتحتجَّ على الفرح والغناء، في حين يتعامى الجميع عن جرائم كبرى تنهش جسد المجتمع ليل نهار.

أليس في طرابلس مخدرات تُباع عند أبواب المدارس؟ أليس في طرابلس سلاح متفلت يحصد أرواح شبابها؟ أليست حوادث السرقة والتشليح والاعتداءات اليومية أكثر إفساداً من حفل موسيقي؟ أين كانت غيرتكم حين اغتُصبت طفلة بريئة لم تتجاوز الثامنة؟ أين أصواتكم حين تحصدون كل يوم نزيف المدينة من العنف والفقر والبطالة؟

إن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل: 90]. والعدل والإحسان لا يتحققان بالصراخ على الناس واتهامهم في نياتهم، بل بمحاربة الفساد والظلم حيثما كان.

ولقد قال النبي ﷺ: “المؤمن من أمِنَه الناس على دمائهم وأموالهم” [رواه الترمذي]. فإذا لم يشعر الناس في طرابلس بالأمن على حياتهم وأرزاقهم، فما قيمة احتجاج ضد الغناء؟ الدين أوسع وأرحب من أن يختزل في عناوين صغيرة، بل هو رسالة إصلاح ورحمة.

وهنا لا بد من نداء واضح إلى الأجهزة الأمنية: مسؤوليتكم أن تحموا المجتمع من الفوضى، وأن تمنعوا استغلال الدين في صراعات وهمية، وأن تضعوا حدًا لتفلت السلاح والمخدرات والجرائم المنظمة. إن الأمن ليس ترفاً، بل هو أساس العمران. قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: 82].

طرابلس لا تحتاج إلى شعارات جوفاء، بل إلى مشروع أمني واجتماعي يعيد للمدينة وجهها الحقيقي: وجه العلم، والتجارة، والانفتاح، والعيش الكريم.

إننا اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بحاجة إلى ضبط الشارع، وتحرير طرابلس من براثن المتاجرة بالدين، والوقوف بحزم أمام كل من يحاول أن يُلبس الفوضى ثوب الشريعة. فالدين ليس غطاءً للفوضى، بل هو أساس النظام والعدل.

نداؤنا إلى الأجهزة الأمنية: كونوا على قدر المسؤولية، لا تتركوا فراغاً يملأ بالخطابات الشعبوية، ولا تسمحوا لأحد أن يخطِف صورة المدينة. حاربوا الجريمة كما تحاربون التطرف، وأعيدوا الثقة إلى الناس، فطرابلس تستحق أن تعيش بسلام وأمان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى