بلدية تخدمنا، لا تحكمنا

صوت المواطن أولاً: بلدية تخدمنا، لا تحكمنا – نحو نموذج بلدي متكامل للميناء.
بقلم سمر قرة
تشهد مدينة الميناء منذ فترة حراكًا ملحوظًا، اجتماعات ولقاءات، اتفاقات وخلافات، استعدادًا للانتخابات البلدية المنتظرة. هذا الحراك يعكس قلقًا مشروعًا على مستقبل المدينة، التي عانت طويلًا من الإهمال والتدهور. فالميناء، بتاريخها العريق وجمالها الطبيعي وموقعها الاستراتيجي، تستحق بلدية قادرة على تحقيق تطلعات أهلها.
*تاريخ الميناء: إرث يستحق الحفاظ عليه.
ولطالما كانت الميناء مركزًا حيويًا للتجارة والثقافة، واشتهرت بأسواقها العامرة وسينماتها الراقية وأنشطتها المتنوعة. ولكن، مع مرور الوقت، تدهورت الأوضاع، وأصبحت المدينة تعاني من الإهمال والتلوث. فهل نرضى أن يقرأ أبناؤنا عن ماضي الميناء الزاهر، ويقارنوه بواقعها المرير؟
*لماذا الميناء تستحق الأفضل؟
لأن الميناء، ببلديتها المستقلة، تمتلك إمكانات هائلة للتنمية والازدهار.
ولكن، إلى متى سنظل نشكو من الإهمال المتكرر؟ إلى متى ستظل مصالحنا وهمومنا في ذيل قائمة الأولويات؟ لقد حان الوقت لنقول كفى! لقد حان الوقت لنطالب بحقنا الطبيعي في بلدية تخدمنا، لا تحكمنا. بلدية تكون صوتنا، لا خصمنا.
أيها السادة تشير التقارير الحديثة إلى أن العديد من البلديات في لبنان تواجه صعاب كبيرة على كل المستويات، ولا تنحصر بالمادية فقط، مما يعيق قدرتها على تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين. فالبلديات تعاني من نقص في الموارد المالية والبشرية، مما يحدّ من قدرتها على تلبية احتياجات المواطنين.
هذا الواقع المرير يدفعنا إلى التساؤل: هل يعقل أن تكون بلديتنا مجرد هيكل إداري لا يخدم مصالحنا؟ هل يعقل أن تتحول مدينتنا إلى مكبات للنفايات ومسارح للمشاحنات والنزاعات من أجل مصالح شخصية؟
اليوم مطالبنا: بلدية تخدم المواطن.
وبما أننا أمام استحقاق بلدي جديد، علينا أن نتّحد ونقول: نحن لا نريد بلدية تجلس في أبراج عاجية، بل نريدها بيننا، في شوارعنا وأزقتنا، تستمع إلى شكوانا، وتلبي مطالبنا. نريدها أن تكون مرآة تعكس واقعنا، لا ستارًا يخفي عيوبنا. نريدها أن تكون يدًا تبني وتطور، لا عصًا تضرب وتفرق.
إن مصلحة المواطن يجب أن تكون الأولوية القصوى لأي بلدية، يجب أن تعمل على توفير الخدمات الأساسية، من نظافة وإنارة وتنمية وصحة وتعليم.
يجب أن تراعي متطلبات الحياة اليومية، من طرق ومواصلات وأسواق، ويجب أن تكون عادلة وشفافة في اتخاذ القرارات، وحريصة على كل ما يخص المدينة .
*كيف نحقق ذلك؟
الجواب بسيط: بمشاركتنا جميعنا بانتخاب أعضاء هيئة بلدية من الأمناء على مدينتنا، شرفاء أمام حقوقنا في البلدية، أوفياء لعهدهم معنا بعد وصولهم إلى مراكزهم بفضلنا، وانتخابهم بشروطنا، والمشاركة الفعالة معهم، وقبولهم بنا كشركاء فيما يخص مصلحة مدينتنا. ويجب أن نشكل معهم لجانًا من المواطنين، تمثل مختلف شرائح المجتمع، وتكون حلقة وصل بيننا وبين البلدية. يجب أن نراقب عملها، ونقيّم أداءها، ونقدم لها الاقتراحات والملاحظات. يجب أن نكون يدًا واحدة معها، نعمل معًا لخدمة مدينتنا، وعليهم جميعهم القبول بإرادتنا أو العدول عن الترشيح وترك الساحة لمن يصلح لسد احتياجاتنا واحتياجات مينائنا.
ولنا في بلديات أخرى خير دليل. فبلدية منطقة البترون، والتي تشبه إلى حد كبير الميناء، نجحت في تحويل المدينة إلى وجهة سياحية رئيسية. رغم أن الميناء تتمتع بالكثير من التميز عن البترون، إلا أن أوضاعها تدهورت، بينما شهدت البترون استثمارات سياحية كبيرة، وتحولت العديد من البيوت السكنية فيها إلى إقامات فندقية. وجلبت السياح وحولت الأسواق إلى جمال لا يوصف، وفتحت فرص عمل لأهل المدينة وغيرت أوضاعهم جميعًا، وكل ذلك بسبب حرص بلديتها وأعضائها ومن ورائهم أهلها على مدينتهم.
وهنا يأتي دور الشباب في الانتخابات البلدية.
فالشباب هم عماد المستقبل، وهم الأكثر تضررًا من الوضع الحالي. لذا، يجب أن يكون لهم دور فعال في الانتخابات البلدية، وأن يشاركوا في صنع القرار. يجب أن يترشحوا للانتخابات، وأن يدعموا المرشحين الذين يمثلون تطلعاتهم وأحلامهم.
أما عن الشفافية والمساءلة: فهي أساس العمل البلدي.
لذا يجب أن يكون العمل البلدي شفافًا ومسؤولًا. يجب أن يكون للمواطنين الحق في الاطلاع على قرارات البلدية وميزانيتها، وأن يحاسبوا المسؤولين عن أي تقصير. يجب أن تكون هناك آليات واضحة للمساءلة، وأن يتم تفعيلها بشكل فعال.
ومن هنا دعوتنا إلى أبناء الميناء الغيارى أن يقتدوا بغيرهم ممن سبقوهم، وأن يهبّوا بوعي لمصلحة مدينتهم. والخطاب اليوم للأوفياء من الميناويين الأوفياء لتراب الميناء، للذين تنبض قلوبهم بحب لهذه المدينة العريقة، هل نترك مدينتنا تذوي بين أيدينا، بسبب تخلينا عنها واختياراتنا الخاطئة لأعضاء ومسؤولي بلدية غير أكفاء؟ هل نرضى أن تتحول شوارعنا إلى مرتع للإهمال، وأزقتنا إلى مسرح للمشاحنات؟ وبحرنا إلى مستوعب للنفايات والسموم؟ لقد حان الوقت لننتفض، لنستعيد مدينتنا، ولنجعلها كما كانت، بل وأفضل.
ألا يحزنكم عندما تعودون بالذاكرة إلى الماضي، أو يقرأ أبناؤكم عن الميناء القديمة بأسواقها وسينماتها وأنشطتها ورقيها وجمالها، وتقارنونها بين الماضي والحاضر، وتجدونها خسرت الكثير الكثير بسبب الإهمال والجشع والأنا؟
أيها الغيارى، لقد اعتاد نوابنا وسياسيونا على التربع في أبراجهم العاجية، ينظرون إلينا من علُ، وكأننا مجرد أرقام في سجلاتهم. واليوم الرهان، هم أيضًا يراهنون على فرض من يناسبهم ويناسب تطلعاتهم وخططهم، فلا تسمحوا لهم، وأعدوا لهم العقل والحكمة والوعي، وانشروه بينكم لأجل أبنائكم ومستقبلهم، ولأجل مدينتكم وغدكم فيها. لقد حان الوقت لنكسر هذا الحاجز، لنُسمعهم صوتنا، لنُعلنها مدوية: نحن هنا، ونحن نستحق الأفضل.
أيها الأوفياء، لقد أرهقتنا الأنا المرتفعة، لقد سئمنا من رؤية مصالحنا تُهدر، وأحلامنا تُوأد. لقد حان الوقت لنُغير المعادلة، لنُعيد تعريف العلاقة بين المسؤول والمواطن، لنُثبت أننا قادرون على بناء مدينة تليق بنا، وبأجيالنا القادمة.
أيها الأوفياء، اليوم نطالب ببلدية إنسانية، بلدية تتسم بطابع الأخلاق والإنسانية والمحبة. نريدها ميناوية حقيقية، بلدية كل أعضائها قلوبهم على مدينتهم، وهمهم النهوض بها والمحافظة عليها. نريدها بلدية تشاركنا أحلامنا، وتدعم طموحاتنا، وتكون يدًا واحدة معنا في بناء مستقبل مشرق.
أيها الغيارى، لنتحضر بعقل وحكمة ووعي للوقوف مع من يخاف الله فينا، ولنساند وننتخب من يستحق، ولنضع أمامنا خططًا مستقبلية، كأن نشكل بعدها لجانًا من المواطنين، تمثل مختلف شرائح المجتمع، لنراقب عمل البلدية، ونقيّم أداءها، ونقدم لها الاقتراحات والملاحظات.
لنكن يدًا واحدة معها، نعمل معًا لخدمة مينائنا، فلنجعل من مدينتنا نموذجًا يحتذى به في العمل البلدي، ولنجعل صوتنا مسموعًا في كل زوايا مدينتنا وأزقتها وحاراتها وأماكن اجتماعاتهم للسيطرة على عقولنا. معًا نستطيع أن نبني مدينة تليق بأولادنا ومستقبلهم.




