الفجر الجديدرأي خاص

ما من توصيف يُجسّد فشل الكيان كأزمة النظام في لبنان

بقلم أحمد خالد يافاوي

ليست أزمة لبنان أزمة حكومةٍ عابرة، ولا نتيجة سياساتٍ خاطئة يمكن تصويبها بتعديلٍ وزاري أو بتسويةٍ ظرفية، بل هي أزمة نظامٍ مكتملة الأركان فقدت فيها الدولة قدرتها على أداء وظائفها الأساسية، وتحول فيها الكيان من إطارٍ جامع إلى بنيةٍ عاجزة عن إنتاج الحكم الرشيد. فأزمة النظام تعني أن الخلل لم يعد في الأشخاص بل في القواعد، لا في الإدارة بل في البنية، لا في التطبيق بل في التصميم نفسه، حيث يصبح النظام عائقًا أمام الإصلاح بدل أن يكون أداته.
في لبنان، قام النظام السياسي على المحاصصة الطائفية وتقاسم الدولة بين زعامات، فغابت الدولة كوحدة قرار ومسؤولية، وتحولت المؤسسات إلى إقطاعات، والقانون إلى أداة انتقائية، والسلطة من وظيفة عامة إلى امتياز خاص، ومع مرور الوقت لم يعد هذا النظام قادرًا على إنتاج حلول، بل اكتفى بإدارة الأزمات وترحيلها، لأن أي حلٍّ حقيقي يهدد أسسه ومصالحه.
هكذا تحوّل الفشل من استثناء إلى قاعدة، ومن خطأ إلى نهج، ومن أزمة إلى حالة دائمة ،فانعكست أزمة النظام على الوطن بسيادةٍ منقوصة واقتصادٍ ريعيٍ هش وإدارةٍ عامةٍ مشلولة وعجزٍ مزمن عن التخطيط، إذ بات القرار موزعًا بين مراكز نفوذ داخلية وخارجية، وباتت الأولوية لحماية الامتيازات لا لبناء دولة منتجة. أما المواطن اللبناني، فكان الضحية الأوضح، يدفع الضرائب ولا ينال الخدمات، يلتزم بالقانون فيما يُكافأ المخالف، يخسر وديعته ولا يُحاسَب السارق، ويُطالَب بالصبر فيما تُصادَر منه أبسط مقومات الأمل . فكيف الخلاص ؟
فكما للنجاح قواعد وشروط فإن للفشل أسباب لا يمكن التجاوز عن ذكرها إذ أن فشل النظام اللبناني بُني على المحاصصة الطائفية لا على المواطنة، فغابت الكفاءة وحضرت الزبائنية، ولأنه حوّل الدولة إلى غنيمة تتقاسمها الزعامات بدل أن تكون مؤسسة جامعة. فشل لأنه عطّل مبدأ المساءلة وربط السلطة بالحصانة لا بالمسؤولية، فانتشر الفساد كمنهج لا كحالات فردية. فشل لأنه أنتج اقتصادًا ريعيًا يحمي الامتيازات ويقمع الإنتاج، ولأنه قسّم القرار السيادي بين الداخل والخارج، ففقدت الدولة قدرتها على التخطيط والحكم
فشل النظام لأن الاعتراف بالخطأ يفتح باب المساءلة، والمساءلة تهدد البنية القائمة. لذلك تتكرر الانهيارات، وتتآكل الثقة، ويُكسر الرابط بين المواطن والدولة، لتفقد الدولة شرعيتها العملية حتى لو بقيت أشكالها الدستورية قائمة. وهنا تكمن خطورة أزمة النظام في أنها تُنتج نفسها بنفسها، وتحمي أعطابها، وتُفشل كل محاولة للخروج منها، وصار لا بد من التفكير في حل يبدأ بالاعتراف بأن الأزمة أزمة نظام لا أزمة إدارة، وبالانتقال من منطق الطائفة إلى منطق الدولة، ومن المحاصصة إلى الكفاءة. وذلك يتطلب إعادة بناء العقد الاجتماعي على أساس المواطنة المتساوية، وإقرار نظام مساءلة حقيقي يفصل بين السلطة والمصالح الخاصة ويُخضع الجميع للقانون، فالحل يمر بإصلاح جذري للقضاء ليكون مستقلًا وفاعلًا، وبإعادة توجيه الاقتصاد نحو الإنتاج لا الريع، وباستعادة القرار السيادي كمقدمة لأي نهوض. وبإعادة تعريف دور الدولة كضامن للحقوق لا كوسيط بين الزعامات، وإلا ستبقى أزمة النظام قائمة مهما تغيّرت الحكومات.

بيروت – 7 كانون الثاني 2026

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى