لبنان… إلى أين؟

كتب الشيخ الدكتور ناجي علوش
رئيس المركز اللبناني الدولي للبحوث والدراسات
ليس السؤال «لبنان إلى أين؟» سؤالًا طارئًا أو عابرًا، بل هو خلاصة قلقٍ مزمنٍ يرافق اللبنانيين منذ عقود، ويشتدّ كلما دخل البلد نفقًا سياسيًا أو اقتصاديًا جديدًا. غير أن المرحلة الراهنة تُعد من أخطر المراحل في تاريخ لبنان الحديث، إذ تتقاطع فيها الأزمات السياسية مع الانهيار الاقتصادي، ويترافق العجز الداخلي مع انسدادٍ إقليمي ودولي، ما يجعل مصير الدولة نفسها موضع تساؤل حقيقي.
في هذا المشهد المضطرب، لم يعد اللبناني يسأل عن تطورٍ أو إصلاحٍ بقدر ما يسأل عن البقاء: بقاء الدولة، وبقاء المجتمع، وبقاء الأمل
أولًا: أزمة النظام السياسي… مأزق بنيوي لا أزمة عابرة
يقوم النظام السياسي اللبناني على معادلة طائفية وُضعت أساسًا لضمان التوازن ومنع الاستئثار، لكنها تحولت مع الزمن إلى أداة تعطيل وشلل. فبدل أن تكون الطائفية السياسية إطارًا مرحليًا، أصبحت جوهر السلطة، ووسيلة لتقاسم النفوذ، وذريعة لتعطيل المؤسسات.
الأزمة ليست في الأشخاص فحسب، بل في بنية نظام لم يعد قادرًا على إنتاج سلطة فاعلة. فالاستحقاقات الدستورية تتحول إلى ساحات صراع، والحكومات تُولد بعد مخاض طويل، ورئاسة الجمهورية تصبح ورقة تفاوض لا موقع حكم. وهكذا يُدار البلد بعقلية «الحد الأدنى»، لا بعقلية الدولة.
ثانيًا: الانهيار الاقتصادي… حين سقط النموذج
شكّل الانهيار المالي الذي بدأ عام 2019 ضربة قاصمة لما كان يُعرف بـ«النموذج اللبناني». فقد انهارت العملة الوطنية، وتآكلت الودائع، وارتفعت نسب الفقر والبطالة إلى مستويات غير مسبوقة.
هذا الانهيار لم يكن قضاءً وقدرًا، بل نتيجة سياسات ريعية، وفساد ممنهج، وغياب أي رؤية إنتاجية حقيقية. والأخطر أن الطبقة السياسية تعاملت مع الأزمة كحدثٍ تقني، لا ككارثة اجتماعية تهدد السلم الأهلي.
اليوم، يعيش لبنان اقتصادًا مشلولًا، يعتمد على التحويلات والمساعدات، في ظل غياب إصلاحات جدية تعيد الثقة داخليًا وخارجيًا.
ثالثًا: المجتمع اللبناني… صمود مهدَّد
رغم كل ما سبق، لا يزال المجتمع اللبناني يظهر قدرة لافتة على الصمود، سواء عبر المبادرات الفردية أو التضامن الأهلي أو الهجرة كخيار قاسٍ لكنه واقعي.
غير أن هذا الصمود ليس بلا ثمن. فالهجرة تستنزف الطاقات الشابة، وتفرغ البلد من كفاءاته، بينما تتآكل الطبقة الوسطى التي كانت عماد الاستقرار الاجتماعي. ومع تراجع الخدمات الأساسية من صحة وتعليم وكهرباء، يتحول الصمود إلى إنهاك بطيء.
إن استمرار هذا الواقع ينذر بتحولات اجتماعية عميقة، قد تعيد تشكيل هوية المجتمع اللبناني وتركيبته.
رابعًا: لبنان في الإقليم… موقع حساس وتأثيرات متشابكة
لا يمكن فهم الأزمة اللبنانية بمعزل عن محيطها الإقليمي. فلبنان ساحة تداخل مصالح، وتأثره بالصراعات الإقليمية تاريخي ومباشر.
الانقسام الداخلي حول الخيارات الاستراتيجية، وعلاقة لبنان بمحاوره الإقليمية، ينعكس شللًا داخليًا ويمنع بناء سياسة خارجية متوازنة. وفي ظل غياب توافق وطني واضح، يبقى لبنان عرضة للضغوط، ومفتوحًا على احتمالات التصعيد أو العزلة.
خامسًا: الدولة الغائبة… حين تحل الفوضى مكان القرار
أخطر ما يواجه لبنان اليوم ليس الانهيار الاقتصادي وحده، بل تآكل مفهوم الدولة. فحين تعجز الدولة عن فرض القانون، وتأمين أبسط حقوق مواطنيها، تتقدم البدائل: الزبائنية، الاقتصاد الموازي، والحلول الفردية.
غياب الدولة لا يعني الفوضى المباشرة، بل يعني فقدان المرجعية، وتحول المجتمع إلى جزر معزولة، لكل منها قوانينها وأعرافها. وهذا أخطر على المدى البعيد من أي أزمة مالية.
سادسًا: السيناريوهات المحتملة… إلى أين يتجه لبنان؟
أمام لبنان اليوم ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
1. سيناريو الاستمرار في الانهيار:
وهو الأكثر ترجيحًا إذا بقيت الأوضاع على حالها، حيث يستمر التآكل البطيء دون انفجار كبير، لكن مع خسائر متراكمة.
2. سيناريو التسوية والإصلاح الجزئي:
يقوم على توافق داخلي مدعوم خارجيًا، يسمح بإصلاحات محدودة توقف الانهيار دون معالجة الجذور.
3. سيناريو الإنقاذ الحقيقي:
وهو الأصعب، ويتطلب إعادة بناء النظام السياسي، واستعادة الدولة، وإطلاق مشروع اقتصادي إنتاجي، وهو خيار يحتاج إلى إرادة سياسية غير متوفرة حتى الآن.
خاتمة: بين السؤال والجواب
يبقى سؤال «لبنان إلى أين؟» مفتوحًا، لأن الجواب لم يعد بيد العوامل الخارجية وحدها، بل بيد اللبنانيين أنفسهم ونخبهم السياسية والفكرية.
لبنان يقف اليوم على مفترق طرق تاريخي: إما دولة تُعاد صياغتها على أسس العدالة والكفاءة، أو كيان يتآكل حتى يصبح مجرد ذكرى جميلة في وجدان أبنائه.
والتاريخ، كما علمتنا التجارب، لا يرحم الدول التي تُهدر الفرص… ولا الشعوب التي تطيل الانتظار.




