اقتصاد الموت وقتل الأرواح: الوجه الخفي لتجارة المخدرات في كواليس مافيا غسيل الأموال

المحامية الدكتورة ريتا سيدة كاشي
يعرف تبييض الأموال قانوناً بأنه العملية التي يسعى من خلالها المجرمون إلى إضفاء صبغة “الشرعية” على عوائد أنشطتهم غير المشروعة، وذلك عبر تمرير هذه الأموال في قنوات مالية ومصرفية لإخفاء مصدرها الحقيقي، أي ببساطة اخفاء أو تمويه المصدر غير المشروع للأموال المنقولة أو غير المنقولة أو للموارد الناتجة من جرائم المخدرات والمؤثرات العقلية وبما أن تجارة المخدرات العالمية تُعد اليوم “المصدر الأول” لهذه الأموال القذرة نظراً لضخامة أرباحها، فقد تحولت عملية التبييض إلى شريان حياة لهذه التجارة القاتلة. والحقيقة أن المخدرات مرض شخصي واجتماعي ينزل الضرر الجسيم بجسم الانسان وعقله. وهي اينما استخدمت خارج غرف العمليات والمستشفيات تعتبر كارثة والمحزن اليوم أن تجارة المخدرات ازدهرت جدا ما ينعكس آثارا سلبية وتردي على المجتمعات ككل فلا يكاد يخلو بلد على الكرة الأرضية لم تقتحم اسواره سلعة الموت التي تستهدف الشباب والمراهقين خاصة والذين نكاد لا نجد الا قليلين منهم ممن لم يقعوا في شباكها القاتلة . وازدهار تجارة المخدرات أمر طبيعي نظرا للعائدات المالية والاقتصادية الهائلة التي يجنيها منها التجار الذين انتظموا في عصابات منظمة وابتكروا طرقا جديدة لإخفاء وتبييض مصدر عائداتهم الملوثة بالمادة البيضاء القاتلة.
اذا لم يعد هؤلاء التجار رهينةً للطرق التقليدية في الترويج؛ فقد طوعوا عصر الرقمنة لخدمة مآربهم، متخذين من منصات التواصل الاجتماعي، وعلى رأسها “تيك توك”، منصاتٍ خفية لتمرير رسائلهم المسمومة.
لقد استغلوا خوارزميات هذه المنصات لإغراء جيل الشباب بمظاهر الثراء السريع، مستخدمين إياها كواجهةٍ دعائية تروج لنمط حياةٍ زائف يجذب المراهقين، بينما تُستخدم في الخفاء كقنواتٍ لغسل الأموال عبر صفقاتٍ رقمية مشبوهة، وعملاتٍ مشفرة، وتجاراتٍ وهمية عبر الإنترنت. لقد تحول العالم الافتراضي إلى ساحةٍ جديدة لا تكتفي ببيع الممنوعات، بل تبتكر طرقاً تقنية معقدة لتمرير العائدات الإجرامية وإخفاء أثرها، محولين الشاشات التي يقضي شبابنا أمامها ساعاتٍ طويلة إلى بواباتٍ لعبور “المال الأسود” الذي يغذي جريمتهم.
فخلف واجهات الشاشات من جهة و الأعمال الخيرية البراقة والمبادرات المجتمعية السخية التي يتبناها بعض “أثرياء الغفلة”، تختبئ هذه الحقيقة المرعبة التي تديرها ماكينات ضخمة لغسل مليارات الدولارات الملوثة بدماء ضحايا المخدرات. إن هؤلاء التجار الذين يتقمصون دور “روبن هود” عبر بناء المجمعات السكنية أو رعاية الأنشطة الرياضية والتعليمية، لا يفعلون ذلك إلا لتشييد “ستار دخاني” سميك يغطي على جرائمهم الأصلية، فآثار هذه العمليات لا تتوقف عند تبييض الأموال، بل تتغلغل في الاقتصاد لتؤدي إلى انخفاض الدخل القومي ومعدلات الادخار، وإفساد مناخ الاستثمار، وصولاً إلى تدهور قيمة العملة الوطنية وإصابة الأسواق المالية بالتضخم.
وفي هذا السياق المعقد، تبرز إسرائيل كنموذج صارخ في عالم “غسيل الأموال”، حيث كشفت تقارير دولية وصحفية أن القوانين هناك لا تزال توفر بيئة حاضنة، إذ لا تُجرّم هذه القوانين إيداع مكاسب غير مشروعة تم تحقيقها في الخارج داخل المصارف الإسرائيلية، أو إنفاقها داخل البلاد، مما جعلها توصف بـ”جنة تبييض الأموال”. هذا الواقع يعززه تاريخ طويل من الفضائح التي كشفت تورط شخصيات سياسية وقضائية في عمليات مشبوهة، بدءاً من تورط قادة سياسيين بتمويل حملاتهم الانتخابية بأموال غير نظيفة، وصولاً إلى تورط حاخامات في شبكات غسل أموال دولية، وتلقي دعم مالي مشبوه حتى من تجار مخدرات لإسقاط خصوم سياسيين، في محاكاة للنهج الأمريكي الذي دعم سابقاً ميليشيات “الكونترا” عبر تمويل من كبار تجار المخدرات.
إن الخطر الحقيقي لا يتوقف عند حدود الاقتصاد، بل يمتد ليشكل تهديداً وجودياً على الصعيد السياسي، حيث يسعى هؤلاء التجار للسيطرة على الأنظمة من خلال “شراء” النفوذ، إذ يتدخلون في العمليات الانتخابية لإيصال مرشحين موالين لهم إلى سدّة التشريع، مما يضمن لهم حماية مصالحهم وغض الطرف عن مخازيهم. والواقع يثبت أن هذه الأموال تحولت إلى “وقود” للصراعات، حيث أكدت الأمم المتحدة منذ عام 1998 أن أرباح تبييض الأموال تُستخدم لتمويل النزاعات الدينية والعرقية وتغذية الحركات الثورية، مما يمد الفئات المتنازعة بالسلاح ويؤجج الفتن الداخلية. ولم تعد هذه الظاهرة محصورة في دول العالم الثالث، بل تعاني العواصم المالية الكبرى مثل نيويورك ولندن من غسيل الأموال عبر ثغرات في مؤسساتها المالية التي تتيح تلاعباً بالثروات واستيلاءً عليها، حتى قيل إن نصف طن من العملات الأجنبية يصل يومياً إلى مطار زيورخ ليُضخ في المصارف السويسرية. لقد أصبحت المخدرات “سرطان مالي” ينهش كيان الدول، حيث تشير تقديرات البرلمان الأوروبي إلى أن أموال تجارة المخدرات المتراكمة تجاوزت 900 مليار دولار، مع تبييض ما يتراوح بين 300 و400 مليار دولار سنوياً، أي ما يعادل 8% من إجمالي التجارة العالمية. وفي حالات أخرى، وصلت هذه العائدات لتشكل أكثر من نصف الناتج القومي لبعض الدول، مما يجعلها ركيزة “غير شرعية” للتنمية وتوفير الوظائف، وهو ما يضع العالم أمام مأزق أخلاقي وقانوني يفرض مواجهة شاملة لهذه الآفة التي لا تستثني بلداً من أضرارها الجسيمة على الفرد والمجتمع، خاصة وأن الإحصاءات تؤكد وجود 330 مليون شخص يتعاطون الهيروين والكوكايين حول العالم، مما يحول تجارة المخدرات من مجرد جريمة عابرة للحدود إلى معضلة دولية تستنزف أمن الشعوب ومستقبلها. لا سيما أن المستهدفين هم شريحة الشباب والمراهقين من هنا فإن مواجهة هذه الآفة يجب أن تتجاوز الأطر القانونية؛ وان تبدأ من دفء المنازل وتماسك النسيج الأسري. فكثير من ضحايا هذه المادة القاتلة لم يجدوا في ذويهم الملاذ الآمن أو المساندة العاطفية التي تحصنهم، فكان الفراغ العاطفي والتشتت الأسري بمثابة الباب المفتوح الذي تسلل منه تجار الموت ليعبثوا بعقولهم. إن الرقابة الأسرية ليست تقييداً، بل هي طوق نجاة، والاحتواء هو السد المنيع أمام إغراءات “الأموال السهلة” التي لا تبني مستقبلاً بل تهدم كيانات. فكل شابٍ اليوم هو مشروع حياةٍ ينتظر منا الرعاية لا اللوم، والاحتضان لا الانشغال؛ وإذا ما أدركنا أن حصننا الأول هو تربية واعية تقوم على الحوار والمشاركة العاطفية، نكون قد قطعنا الطريق على تلك الماكينات المالية التي تقتات على ضعفنا وتفكك روابطنا فالإناء الممتلئ عاطفة لا يسع أي مواد أخرى خاصة المخدرات فالمعركة ليست مجرد مواجهة أمنية مع عصابات غسل الأموال، بل هي معركة حماية “أرواحنا” وأرواح اطفالنا وشبابنا من أن تصبح مجرد أرقام في حساباتٍ مشبوهة، وهي مسؤولية جماعية تبدأ من تفاصيلنا الصغيرة في البيت كأهل ومربين، لتنتهي بحماية الوطن من هذا الشبح الأبيض المالي الذي ينهش حياتنا للأسف بكل قسوة ودون أي رحمة.




