المناخ كعملة جديدة: كيف يحوّل لبنان خفض الانبعاثات إلى استثمار اقتصادي؟

المناخ كعملة جديدة: كيف يحوّل لبنان خفض الانبعاثات إلى استثمار اقتصادي؟
بقلم لبنى عويضة
وسط الدوامة الاقتصادية المتلاحقة، يطل ملف المناخ كخيار غير تقليدي لإعادة رسم مستقبل لبنان الاقتصادي، ويظهر كنافذة جديدة للنمو والابتكار. ففي 23 أيلول 2025، أطلقت وزارة البيئة بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي “حزمة السياسات المناخية”، واضعة هدف خفض الانبعاثات بنسبة 33% بحلول عام 2035، والتحول إلى اقتصاد منخفض الكربون بحلول 2050.
قد يبدو هذا الإعلان جزءًا من التزامات لبنان الدولية، لكنه في العمق يكشف عن مسار اقتصادي بديل لم يُستثمر فيه بجدية بعد. الأرقام صادمة: الخسائر الناجمة عن تغيّر المناخ تُكلّف لبنان نحو 5% من الناتج المحلي سنويًا، مع خطر تضاعفها إلى 32% بحلول 2080. في المقابل، كل دولار يُستثمر في مشاريع المناخ يمكن أن يولّد أكثر من خمسة دولارات عائد، وفق تقديرات الأمم المتحدة. هذه المعادلة تجعل من المناخ فرصة اقتصادية لا عبئًا ماليًا.
السياسات المناخية هنا قد تتحول إلى أداة هيكلية لإعادة تشكيل الاقتصاد اللبناني. فالاستثمار في الطاقة المتجددة، والنقل المستدام، والبنى التحتية الخضراء يفتح الباب أمام تدفقات استثمارية دولية، ويخلق فرص عمل جديدة، ويؤسس لاقتصاد إنتاجي بديل عن النموذج الريعي القائم على الاستدانة والتحويلات. بذلك، لا يعود خفض الانبعاثات مجرد بند بيئي، بل استراتيجية اقتصادية ذات أبعاد تنموية.
إلى جانب البعد الإنتاجي، يكتسب الملف المناخي بعدًا تمويليًا حيويًا. ففي ظل عجز لبنان عن الوصول إلى أسواق الدين الدولية أو استقطاب استثمارات تقليدية، قد تشكل صناديق المناخ العالمية والجهات التمويلية الدولية، مثل “صندوق المناخ الأخضر” و”مرفق البيئة العالمي”، منفذًا نادرًا لتأمين سيولة خارجية. هذه السيولة، إذا أُحسن استخدامها، لا تقتصر على تمويل مشاريع الطاقة والبنى التحتية، بل قد تتحول إلى رافعة اقتصادية تدعم ميزان المدفوعات وتعيد تدريجيًا الثقة بالاقتصاد اللبناني.
لكن العقبة الكبرى تبقى في التنفيذ. التجارب السابقة مع خطط الإصلاح المالية أو الطاقوية أثبتت أن النصوص وحدها لا تكفي. المطلوب آليات واضحة، تمويل مستدام، وتعاون فعلي بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني، إضافة إلى إرادة سياسية تعي أن الاقتصاد الأخضر لم يعد ترفًا، بل خيار بقاء.
اليوم، يقف لبنان أمام لحظة اختبار حاسمة: هل سيتعامل مع السياسات المناخية كالتزام ورقي لإرضاء المؤسسات الدولية، أم كخطة اقتصادية شاملة لإعادة رسم موقعه في الخارطة الاستثمارية العالمية؟
إنّ لحظة الحقيقة أمام لبنان قد حانت: إمّا أن يبقى عالقاً في دوامة الانهيار المالي والرهان على سراب المساعدات، وإمّا أن يلتقط ملف المناخ كعملة جديدة للاستثمار، ويحوّله إلى رافعة اقتصادية تُعيد رسم ملامح مستقبله. فالرهان اليوم لم يعد على “تخفيف الانبعاثات” فقط، بل على تحويل هذه السياسات إلى منصة إنتاجية، تفتح الأبواب أمام استثمارات دولية وتعيد الثقة المفقودة. باختصار، إن لم يُقارب لبنان المناخ كخيار اقتصادي استراتيجي، فسيدفع غداً ثمن التردد مضاعفاً: خسارة البيئة… وخسارة ما تبقى من اقتصاده.




