الفجر الجديد

حياةٌ تتوقف لخمس دقائق

حياةٌ تتوقف لخمس دقائق

الكاتب؛ حمزة قورقماز

يلقي أحدهم بنفسه أمام قطار مرمراي، فتتعقّد الحياة لخمس دقائق. تتوقف حركة القطارات. يتململ المنتظرون في المحطة. ينظر بعضهم إلى ساعاتهم، ويتذمّر آخرون، فيما يرفع آخرون أصواتهم احتجاجًا على اضطراب النظام وتعطّل سير الأمور. ثم تعود الرحلات إلى طبيعتها، وتتحرك القطارات من جديد، ويتفرّق الحشد، وتواصل الحياة دورانها بكل سرعتها، وكأنّ شيئًا لم يكن.

لقد انتهت حياة إنسان. لكنّ المشهد يبدو وكأنّ المسألة لا تتعلّق بموت إنسان أصلًا. فقد انصبّ غضب الناس على الدقائق الضائعة، وتركّز احتجاجهم على النظام الذي اختلّ. أمّا الآلام التي كان يعيشها ذلك الإنسان، والمآزق التي حاصرته، والطرق التي سلكها حتى انتهى به الأمر إلى وضع حدّ لحياته، فقلّما تجد لها مكانًا في انشغالات أحد.

لعلّ المأساة الحقيقية ليست في أن يلقي إنسان بنفسه أمام القطار فحسب، بل في أن يُختزل موته، في حياة الآخرين، إلى مجرّد تعطّل استغرق خمس دقائق.

إنّ النار التي تشتعل في حياة إنسان لا تحرق بيته وحده. فقد تُظلم بها الدنيا بأسرها في عائلة كاملة، وقد تترك وراءها أسئلةً لن تجد إجابةً عنها لسنوات طويلة. في أيّ ألم كان ذلك الإنسان يعيش حين لفظ أنفاسه الأخيرة؟ كم مرّة انتظر أن تمتدّ إليه يد المساعدة؟ وكم مرّة شعر بأنّ أحدًا لا يفهمه؟ وأيّ الأبواب أُغلقت في وجهه؟ لعلّه كان يمضي بين الحشود، غارقًا في وحدة لا يلحظها أحد، يبتعد عن الحياة يومًا بعد يوم.

نحن لا نعرف. ولا نتوقّف لنعرف.

فالحياة الحديثة تطلب منّا أن نمضي إلى الأمام بلا انقطاع. لكلّ شيء سرعة، ولكلّ دقيقة ثمن، ولكلّ تعطّل كلفة. يجب ألّا يتأخّر القطار، وألّا تتعطّل الأعمال، وألّا تختلّ المواعيد، وأن تستمرّ عجلة الحياة اليومية في الدوران. أمّا الإنسان، فقد يتحوّل داخل هذه العجلة إلى مجرّد راكب، أو رقم، أو حادثة تعرقل سير النظام.

نغضب من انقطاع سير الحياة، لا من موت إنسان.

أهذه هي الحضارة؟ أهو التقدّم أن نبني قطارات أسرع ومحطات أكبر وتقنيات أكثر تطوّرًا، بينما نفقد قدرتنا على الإحساس بآلام بعضنا بعضًا؟ أهو التطوّر أن نقطع المسافة بين طرفَي المدينة في وقت أقصر، فيما نصبح غرباء تمامًا عن مشاعر الإنسان الذي يقف إلى جوارنا، وعن الهموم التي تثقل قلبه؟

كان الحديث يدور يومًا عن الأخذ بتكنولوجيا الغرب دون أخلاقه. لكنّ علينا اليوم أن نطرح على أنفسنا سؤالًا أعمق: وفق أيّ تصوّر للإنسان نستخدم التكنولوجيا؟ ولأجل ماذا نزيد السرعة؟ ولخدمة مَن نحافظ على انتظام النظام؟

حين تتحوّل الوسائل التي يُفترض أن تجعل حياة الإنسان أيسر إلى أنظمة ترى في الإنسان نفسه عائقًا أمام انتظامها، فإنّنا لا نكون أمام مشكلة تقنية فحسب، بل أمام أزمة أخلاقية أيضًا.

يعود قطار مرمراي إلى الحركة. ويسارع الناس إلى بيوتهم وأعمالهم ومواعيدهم. وتستمرّ الحياة.

لكن، لماذا أصبحت حياة إنسان ما لا تُطاق إلى هذا الحدّ، حتى انتهى به الأمر إلى تلك اللحظة؟

مَن سيسأل هذا السؤال؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى